مهند الحاج علي _ المدن /
سؤالان أساسيان أثارهما استهداف خان شيخون بغاز السارين، يستدعيان الوقوف عندهما.
الأول طرحه بعض أنصار النظام السوري ورمادييه. لماذا يُكرر النظام اعتداء كاد يودي به المرة الأولى خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما؟ لا مصلحة لمنتصر في تبديد انجازاته، سيما لو كان في دهاء النظام وحنكته.
هذا السؤال يفترض أيضاً أن النظام السوري يُشبه صورته العلنية، أي الرئيس بشار الأسد وسيدته الأولى ووزراءه وديبلوماسييه من وليد المعلم وبثينة شعبان الى بشار الجعفري. ومثل هؤلاء، بحسب المنطق الساري وسط أنصار النظام، لن يرتكبوا هفوة من هذه النوعية.
لكن هؤلاء ليسوا النظام بأسره، بل واجهته. عمقه أجهزة الأمن والعسكر ومن خلفها المكونات الطائفية والطبقية. وهذا العمق المعني مباشرة بالحرب، ماكينة تعذيب وقتل لم تتوقف أو حتى تتراجع عن ارتكاب انتهاكات بحق معارضيها وبيئاتهم طوال السنوات الماضية، بغض النظر عن أي مفاوضات أو عملية سياسية. لكن ألا يتطلب هجوماً بالسلاح الكيماوي أوامر مركزية أو رفيعة المستوى؟ وحقيقة أن الاعتداء جوي، وفقاً لتقارير متقاطعة، تستبعد الى حد كبير، فرضية تغييب هرم القيادة أو بعضه على الأقل عن اتخاذ قرار بهذا الشأن.
لكن مشاركة بعض هرم القيادة على الأقل في القرار، يستدرج السؤال الثاني: لماذا خان شيخون دون غيرها وفي هذا الوقت تحديداً؟ 3 عناصر قد تُساعد على فهم دوافع هذه الضربة.
أولاً، بلدة خان شيخون (حوالى 50 ألف نسمة قبل الحرب) تقع مباشرة على الطريق الدولي الذي يربط حلب بمدن حماة وحمص ودمشق. وهي أيضاً، إلى جانب موقعها الاستراتيجي، تُمثل قلب محور شهد أعنف المعارك وأهمها، وربما مدخلاً الى مدينة حلب من جهة، وبلدات موالية للنظام في ريف حماه.
ثانياً، تقع بلدة خان شيخون خلف أحد أبرز خطوط التماس المذهبية الأهلية في سوريا. هي القاعدة الخلفية لتماس بين مجموعة بلدات سنية ومسيحية وعلوية، تتقدمها من جهة النظام بلدة محردة حيث تتمركز ميليشيات شيعية إلى جانب ”الدفاع الوطني“. لذا تُمثل المنطقة خاصرة رخوة لمعاقل النظام و”خزانه“ البشري، تعرضت للتهديد إذ خسر البلدة تلو الأخرى، ما يُفسر الاعتداء بصفته محاولة لرسم خط أحمر.
ثالثاً، سبق أن شهد هذا المحور اعتداءات متكررة بغاز الكلور، وتحديداً بلدتي كفرزيتا واللطامنة، وفقاً لتقارير متكررة ومتقاطعة. كما تصاعد هذا النمط من استخدام الكيماوي حتى وقوع الاعتداء الأخير على خان شيخون. على سبيل المثال لا الحصر، ألقت إحدى طائرات النظام برميلاً يحمل مادة الكلور السامة على مستشفى اللطامنة، ما أودى بحياة أحد المرضي والطبيب علي الدرويش وأصاب آخرين نُقلوا الى مستشفى باب الهوى للعلاج من الاختناق. أحد الناشطين قدم روايات عن مقتل مسلحين اختناقاً خلال معارك مع قوات النظام، وهو ما يتوافق مع تقارير لصفحات المعارضة في بلدات المنطقة.
إذن، كان قصف خان شيخون بالكيماوي ذروة تصعيد ممنهج، لا حدثاً استثنائياً أو منفرداً. وبما أن أغلب هذه الاعتداءات لا تُوثّق بين المحاربين على خطوط التماس، يبقى علينا أن نكتشف من خلال خبراء وشهادات الضحايا، مدى اتساع رقعتها خلال الشهور الماضية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث