صدى الشام _ ثائر الزعروع/
ونحن ندخل السنة السابعة من عمر ثورة الكرامة، ما زلنا نسمع كل يوم تقريباً كلاماً لا يخلو من السذاجة يؤكد صاحبه أنه لو قام “المذكور” بالاعتذار من الشعب السوري، أبناء محافظة درعا تحديداً، عن تلك الإساءة التي ارتكبها قريبه عاطف نجيب، ولو وعدهم بمحاسبة المسؤولين عن الحادثة، ولم يقف مثل المهرج في مجلس الثغاء، ليضحك ويطلق النكات، وينال التصفيق، يقول بعضهم إنه لو فعل المذكور ذلك لما قامت الثورة، ولعاد الناس إلى بيوتهم بعد أسبوعين من المظاهرات، وقرروا أن يتوبوا عن الثورة، وربما يبايعوه للأبد، بل إني سمعت من أحدهم كلاماً لا يقل سذاجة عن سابقه، فقد قال محدثي وهو معارض عتيق، إن المذكور كان يمكن أن يكون قائداً لثورة السوريين على الفساد الذي خلفه حكم أبيه، ولعل كلام المعارض العتيق يبرئ بشكل أو بآخر المذكور من كونه أحد صانعي الفساد والخراب الذي حل وما زال بسوريا، ولكن، لمَ لا؟ دعونا حقاً نسأل هذا السؤال: ماذا لو اعتذر المذكور، الذي أتعفف في الكثير من الأحيان عن ذكر اسمه؟
دعونا نناقش هذه الفكرة، كي ننصف تاريخ سوريا المعاصر على أقل تقدير، ودون أن يعني ذلك على الإطلاق أننا نضع أنفسنا في مقام المؤرخين الذين سيأتون لاحقاً، والذين سيتولون هذه المهمة الشاقة، والمليئة بالتعقيدات والأسئلة، التي قد لا يجدون إجابات عليها.
حين صارت الثورة أمراً واقعاً، وصارت قوة ضغط في الشارع، تحرك النظام كي يقطع الطريق عليها، فقرر إقالة رئيس الوزراء الأسبق ناجي عطري الذي كان يعتبر أحد رموز الفساد في النظام، هل تذكرون الشخص الذي حل محله؟ حسناً أنا أذكر، صار عادل سفر أحد أفشل وزراء حكومة عطري، والوزير الذي ضرب الحسكة في عهده جفاف قاحل فلم يستطع أن يجد حلولاً له، فنزح من المدينة أكثر من نصف مليون مواطن وتاهوا في شتى المناطق يبحثون عن لقمة عيشهم، هكذا كان الإصلاح في أعلى الهرم الحكومي، وجيء بعدنان محمود الذي كان مديراً عاماً لواحدة من أفشل وكالات الأنباء في العالم ليصير وزيراً للإعلام، هكذا يفهم المذكور الإصلاح الحكومي، ثم تم رفع العمل بقانون الطوارئ، وطليت دبابات الجيش بألوان مختلفة وتم إرسالها إلى كافة المناطق، في المعضمية وداريا والزبداني، وفي مداخل مدينة درعا، كما ركض النظام لمراضاة الأكراد السوريين الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ من الثورة في بدايتها، فقرر منح المكتومين منهم وثيقة الجنسية التي كانوا يحلمون بها طيلة نصف قرن من حياتهم، مع أن ملف الأكراد، تحديداً، كان على طاولته منذ منتصف العام 2004 ولم يحرك ساكناً، لأن الشعب كان ساكتاً، هل تريدون أن نتذكر سوياً لجنة الدستور مثلاً؟ قام النظام بجمع مجموعة من المخبرين والمرتزقة ليقوموا بكتابة دستور يناسب مقاسه، وقال لنا وقتها هذه إصلاحاتي كلها، صحيح وكي لا ننسى وللتاريخ أيضاً، فقد دعا إلى حوار وطني بإدارة نائبه فاروق الشرع، وبإشراف مباشر من إدارة المخابرات التي كانت تراقب كل ما يقال، وكانت مستعدة للانقضاض على كل من يقول كلمة خارج الطريق، وكان ذلك الحوار، الذي كنت شاهداً على عدد من جلساته بصفتي الصحفية، أشبه بمسرحية هزلية، النظام يحاور نفسه فيتفق ويختلف مع نفسه، شيزوفرينيا سياسية معاصرة، وحالة فصام سياسي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
لو اعتذر المذكور، فربما كان سينقل قريبه عاطف نجيب، إلى فرع أمني آخر، وفي أسوأ الأحوال كان سيقوم بتسريحه من الخدمة وتعيينه في شركات رامي مخلوف بصفة مستشار اقتصادي، وبعد أن ينسى الناس ما فعله قد يعود وزيراً، أو ربما يتم إرساله سفيراً، وأما أهالي الشهداء فقد يتم تعويضهم بمبلغ مالي ويتم اعتبار أولادهم شهداء، وساعتها كنا سنسمع عبر قناة الإخبارية أو الدنيا نص مرسوم جمهوري يتكرم من خلاله المذكور باعتبار أولئك الذين وصفهم الإعلام نفسه بـ”الإرهابيين” شهداء.
لو اعتذر المذكور كنا سنرى في هذه الأيام محلاً للفلافل في إحدى ساحات دمشق، يسميه صاحبه حافظ الثاني، نسبة إلى حافظ الحفيد ابن المذكور، كما أطلقوا في وقت من الأوقات على إحدى ساحات مدينة قدسيا وغيرها من المدن والمناطق تسمية “ساحة الأمل”، لأن المذكور كان هو “الأمل” بعد أن نفق أخوه في حادث سير على طريق المطار، وساعتها قال عنه البوطي إنه كان يسير في الجنة مع الأنبياء والقديسين.
تذكروا هذه التفاصيل جيداً، وتذكروا أيضاً، ذلك المخبر الذي كان يتربص بكم، ويحصي عليكم أنفاسكم، تذكروا أيضاً أنكم كنتم شبه مواطنين في شبه دولة، وتذكروا أيضاً أن دولة لا قانون فيها، لا يمكن في يوم من الأيام أن تكون دولة للمواطنين بل دولة للمخبرين.
أنا لا أكتب هذا الكلام وأنا جالس في منزلي الوثير، فأنا منفي مهجر لاجئ، أهلي نازحون مهجرون، فقدنا بيوتنا واستشهد أحباؤنا، لكني أؤمن أنه لولا هذه الثورة، لانتظرنا بفارغ الصبر أن تنقضي أيام المذكور لتحل علينا أيام ابنه “حافظ الثاني” لعلها تكون أحسن من أيام أبيه.
الثورة مستمرة..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث