صدى الشام _ ثائر الزعروع/
خطّ مجموعة من طلاب المدارس على جدران مدرستهم – وكانوا يمرحون- عبارة ثورية دون أن يفكروا لحظة واحدة أن تلك العبارة سوف تكون السبب في واحد من أهم الأحداث التي شهدها العالم، وهي لن تتوقف هناك في مدينة درعا جنوباً، بل ستصل تأثيراتها إلى مختلف بقاع الأرض.
أحد أولئك الطلاب صار شاباً مقاتلاً في صفوف الجيش الحر الآن، روى في فيلم وثائقي عرضته قناة الجزيرة حكايته، قال إنه شاهد ما حدث في مصر وتونس، وأراد أن يفعل مثل أولئك الشباب الذين رآهم على شاشة التلفزة العالمية، لكنه بعد ذلك اعتُقل وعذب ثم أطلق سراحه في قصة بات يعلمها الجميع… في البدء كانت الكلمة، الكلمات التي كتبت على جدار.
تسلحت الثورة بعد أشهر، وصارت حرب تحرير شعبية، صار صوت الرصاص أعلى من الأصوات الأخرى جميعاً، أعلى من صوت العقل، ومن صوت القلب، وصارت سوريا على حافة هاوية تميل بها الأرض شيئاً فشيئاً، وهي – ولن نكون متشائمين إذا قلنا ذلك- راحت بعيداً، ومع كل فرصة لتوقف إطلاق النار تعود الكلمات لترتفع أعلى٬ السلاح كان ضرورة لمواجهة الوحشية، والسلاح كان خياراً ثورياً بامتياز، إذ لم تذكر كتب التاريخ ثورات انتصرت فقط بشعاراتها وهتافات متظاهريها٬ صحيح أننا نشتاق لتلك المظاهرات السلمية المدهشة التي أخرجت أجمل ما في الشعب السوري، لكننا أيضاً لا نستطيع أن نوجّه لومنا لأولئك الذين حملوا السلاح ليقاوموا.
لكن علينا أن نفرق بين من حمل السلاح لأنه أداة الثورة للانتصار على الفاشية والانتقال إلى الدولة الحرة الديمقراطية، وبين أولئك الذين جاؤوا يحملون أسلحتهم أصلاً، وهم لا يعتبرون الثورة غاية بل يعتبرونها وسيلة لتحقيق مشاريعهم، هؤلاء حتى وإن كانوا سوريين إلا أنهم لا يشبهون ثورة الكلمات.
سنقول إن دليلنا على ذلك هو لافتات “كفرنبل” لم لا؟ ألم تشكّل كفرنبل ومنذ الأشهر الأولى للثورة منهاج عمل لكل القوى الثورية؟ فما تقوله كفرنبل بكلماتها التي يحملها أبناؤها كان وما يزال يعبر عن طموح الثورة وأهدافها.
الغريب أيضاً أن السياسيين الذين تصدروا المشهد ليتحدثوا بلسان الثورة لا يجيدون لعبة الكلمات، فهم أقرب إلى مومياءات محنطة تردد الكلام نفسه الذي سئم السوريون سماعه، ولهذا فإنهم لم يستطيعوا أن يكون لسان الثورة، ولن يقدروا بعد كل الفشل الذي فشلوه أن يتغيروا، ولو كان بإمكاني أن أنصحهم لنصحتهم أن يقدموا استقالتهم من الثورة، وأن يبحث كل منهم عن حياة مختلفة بعيداً عن الثورة وأهلها، ودعوني أقل: بعيداً عما تبقى من الثورة وما تبقى أهلها.
في البدء كانت الكلمة، وحين نضع أمام أعيننا مفردة الحرية فإننا نصير ملزمين بالسعي إليها، لا السعي إلى شيء ما يشبهها، لأن لا شيء يمكن أن يشبه الحرية، ولا شيء يمكن أن يشبه الكرامة.
خسائرنا أكبر من أن تطاق، وتضيق صدورنا ونحن نراقب المشهد يزداد تبعثراً وفوضى يوماً بعد يوم، نحاول أن نرتب ذواتنا من الداخل كل مرة، كي نتمكن من الاستمرار على قيد الثورة، لأنها صارت قدرنا، و لابد أن نبصر نهاية لهذا النفق إنْ نحن تمسكنا بحلمنا، وحافظنا عليه٬ يأسنا يجعل مهمة القضاء علينا أسهل، ويأسنا يجعل تبديد شملنا أسهل، ويأسنا أيضاً يجعل جميع التضحيات التي قُدمت بلا قيمة، ونحن لا نقدر أن نرضى لدماء شهدائنا وهم أهلنا وأصدقاؤنا أن تضيع بلا قيمة، لا نقدر أن ننسى وجههم وهم يبتسمون، ويغنون، ويهتفون بصوت واحد: الشعب بدو حرية، هم من وضع منهاج عمل الثورة وهدفها، ولذلك فقد ذهبوا إلى موتهم وهم يبتسمون.
وهكذا مرت ست سنوات منذ أن بدأنا رحلتنا في طريق الحرية، كنا نعلم أنه طريق صعب وشائك، وكنا نعلم علم اليقين أن الكثيرين منا لن يكونوا موجودين حين يتحقق ذلك الحلم العظيم، لكننا نستطيع أن نتخيل فرحتهم قبل أن يغمضوا عيونهم، فقد كانوا واثقين أن موتهم لن يكون حدثاً عابراً، وأن ما فعلوه ستكتب عنه كتب التاريخ باعتزاز، وستقول الكتب: إن شعباً ضحى بالكثير من دماء أبنائه.. انتصر.
مرت ست سنوات منذ ذلك اليوم، كبرت الثورة وكبرنا، كثيرون لا يريدون أن يصدقوا أن شيئاً قد حدث أصلاً، يستيقظون صباح كل يوم، وهم يتمنون أن يكون ما مر معهم مجرد كابوس، وقد استيقظوا منه الآن، لكنه يكتشفون أنه ليس كابوساً، هذا هو الواقع، وطريق الحرية لم يكن في يوم من الأيام مفروشاً بالزهور٬ لا حرية تأتي بالأمنيات ولا بالأغنيات.
الثورة مستمرة…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث