الرئيسية / رأي / رسائل الخميس الدامي

رسائل الخميس الدامي

صدى الشام _ عبد القادر عبداللي/

لم يكن يوم الخميس الواقع في التاسع من شهر شباط الجاري عاديًا بالنسبة للاعبين الأساسيين في القضية السورية، وتحديداً الحكومة التركية والنظام الروسي والإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب.

اتصال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنظيره الأمريكي دونالد ترامب، واتفاقهما على زيارة رئيس المخابرات الأمريكية إلى تركيا يوم الخميس، حدث غاية في الأهمية على صعيد استطلاع الآراء عن قرب، واستكشاف المواقف، والبحث في نقط إمكانية اللقاء، ورسالة مهمة إلى الأطراف الأخرى الفاعلة في القضية السورية.

من جهة أخرى فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي العنصر الحاسم بالنسبة إلى تركيا في قضية الصراع الدائر بين القوات التابعة للدولة، وحزب العمال الكردستاني، وقد عانت من دعم الولايات المتحدة للكردستاني، وإصرارها على تقديم هذا الدعم، وهي تدرك تماماً أن موقف الولايات المتحدة يمكن أن يغير كل شيء على أرض الواقع.

على صعيد آخر، منذ المصالحة الروسية التركية بعد أزمة إسقاط القوات الجوية التركية طائرة للروس وتركيا تحاول اللعب على تناقضات مفترضة بين رؤيتي موسكو وطهران للقضية السورية، ويبدو أن هذا الموضوع قد أخذ بعداً إعلامياً كبيراً فاق أبعاده الحقيقية، ولا يبدو أن هناك مشاكل حقيقية أو كبرى بين الروس والإيرانيين بالموقف من نظام الأسد يمكن أن تمنح الأتراك فرصة يستغلونها لتحقيق مصالح ما لهم في القضية السورية.

روسيا ليست بعيدة عن القضية، ومدركة تماماً للموقف التركي، وتقرأ الهدوء التركي قراءة صحيحة على الأغلب، وتنتج سياستها على هذا الأساس، ومن الأدلة على الموقف الروسي هذا أن الروس يعلنون دعمهم لحزب الاتحاد الديمقراطي (صالح مسلم)، ثم يتراجعون عن هذا الدعم، مقدمين للأتراك موقفاً سياسياً مجانياً، ولكن قيمته صفرية أيضاً.

وصباح وصول رئيس المخابرات الأمريكية إلى أنقرة شهدنا قصفاً بنيران “صديقة” روسية لبناء قرب مدينة الباب شمال حلب يتمترس فيه جنود وضباط أتراك قتل بعضهم، وأصيب بعضهم الآخر.

بفرض أن القصف الصديق مصادفة، وفي الحقيقة أن عمليات قصف بنيران صديقة كهذه تحدث في الحروب كلها تقريباً، وقد حدث أن قصفت القوات الجوية والفضائية الروسية مواقع لقوات إيرانية وطائفية تعمل باسم الجيش العربي السوري، وأكثر من مرة، لهذا يمكن القول إن العملية مجرد مصادفة، ولكن ماذا عن رسالة بوتين التي تعزي الرئيس التركي بأولئك الضحايا؟، هل هي مصادفة أيضاً؟ لقد استخدم بوتين فيها عبارة مهمة جداً هي “أشعر بالحزن” تجاه الضحايا.

“الشعور بالحزن” هو التعبير الذي وقع عليه الاختيار لتتضمنه رسالة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى نظيره الروسي لإغلاق صفحة التوتر التي خيمت على العلاقة بين البلدين إبان إسقاط طائرة سو التركية، وقد استغرق المستشارون أسابيع لإيجاد هذا التعبير، وها هي العبارة قد نزلت في رسالة بوتين فجأة… أم مصادفة يا ترى؟

لعل الرسالة الحقيقية الموجهة من الكرملين الروسي إلى الحكومة التركية هي عبارة “الشعور بالحزن”، فهي تعيد إلى الذهن قضية التوتر السابق بين البلدين.

يمكن أن تفكر تركيا باللعب على التناقض القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بالموقف من نظام الأسد، لتلعب بعض الأوراق المتوفرة لها، أو لعل هذا ما فكر فيه الروس، لذلك أرادوا أن يرسلوا رسالتهم باكراً من يوم الخميس وباكراً من الأحداث.

في الوقت نفسه كانت الاتصالات واللقاءات بين رئيس المخابرات الأمريكية والمسؤولين الأتراك على قدم وساق، وجرت كلها بسرية، وإجراءات أمنية على درجة عالية جداً من الدقة أفشلت إمكانية الحصول على بعض الصور للقاءات، وما أعلن من تلك اللقاءات كان لقاء المسؤول الأمريكي رفيع المستوى في زيارته الخارجية الأولى كلًا من رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، ورئيس الحكومة التركية بن علي يلدرم، وخاقان فدان مستشار تشكيلات المخابرات التركية، وحملت اللقاءات رسالتين واضحتين الأولى الأسلحة التي سلمتها الولايات المتحدة الأمريكية لحزب الاتحاد الديمقراطي، وانتقالها إلى حزب العمال الكردستاني، والرسالة الثانية هي تسليم الداعية فتح الله غولان المتهم بقيادة محاولة الانقلاب التي جرت في 15 تموز من العام الفائت.

الرسائل السياسية وخاصة تلك التي تأتي في الأوقات الحرجة، ويُدفع فيها دم هي رسائل لافتة ومحط اهتمام المراقبين والسياسيين، كما أن الظرف الحالي والعمليات الدائرة شمالي حلب، بالإضافة لوجود إدارة أمريكية جديدة وفرز جديد على الأرض، كله يزيد أهمية تلك الرسائل.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *