صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/
عندما نسمع تصريحات المسؤولين الأتراك حول مؤتمر أستانة الذي ضم جزءاً من المعارضة السورية المسلحة والنظام، وخاصة أولئك الذين يعملون في الخارجية نَحارُ من التفاؤل الذي يتجلى في تلك التصريحات، وتذهب هذه التصريحات إلى أبعد من هذا، فتدعو الدول الأخرى لدعم ما تم التوصل إليه في مدينة أستانا.
كُتِب الكثير حول نتائج المؤتمر، حتى إنه يمكن أن يملأ مجلدات، وطالما كُتِبَ الشيء ونقيضه، والتناقض فيما كُتِبَ يزيد من الارتباك، هل تمكنت تركيا من انتزاع موافقة مبدئية من موسكو على عدم تأسيس إقليم كردي في شمال سوريا على حدودها الجنوبية؟ جواب هذا السؤال معلّق ليس هناك تأكيد رسمي حوله، ما الذي كسبته تركيا؟ لا يبدو أن هناك شيئاً في الأفق.
ما هو معروف حتى الآن هو تثبيت وقف لإطلاق النار بين النظام والمعارضة في سوريا، وتشكيل آلية ثلاثية روسية تركية إيرانية لمراقبة هذا الوقف لإطلاق النار! ماذا بعد ذلك؟ جنيف؟ عدنا إلى الدوامة من جديد …ثم هل تحقق وقف إطلاق النار فعلياً لتتم مراقبته؟ فالأسواق الشعبية والمخابز مازالت هدفاً لا أحد يعترض عليه لطائرات النظام والطيران الروسي، ويحصد هذا القصف عشرات الضحايا والجرحى.
لنعد إلى البداية…
لقد دخلت تركيا على خط الأزمة السورية لأسباب عديدة يصعب حصرها لعل في مقدمتها عدم السماح بتأسيس كيان كردي في الشمال السوري، وإجراء تغيير ديموغرافي في تلك المنطقة بسبب وصل الكنتونات الكردية الثلاثة فيما بينها، ما الذي حققته على هذا الصعيد؟ عملية درع الفرات المتعثرة في مدينة الباب حتى الآن، وبدء تزايد الضحايا من الجنود الأتراك الذين يقدمون الدعم الناري للجيش السوري الحر.
صحيح أن العملية يمكن أن تمنع قيام كيان كردي متصل بين الكنتونات الثلاثة، ولكن هذا في حال نجاح العملية، وتحقيقها أهدافها المرسومة لها، أما مؤتمر أستانا فلم يوضح هذه النقطة، وحتى الآن الموقف الروسي منها غامض.
وهناك عملية الرقة المتوقفة، وتنتظر تركيا بفارغ الصبر الدخول فيها لقطع الكنتونين الآخرين، ولكن أحداً من المؤتمِرِين أو الفاعلين في الساحة السياسية الدولية لم يدلِ بشيء كهذا، وليس هناك حتى الآن أية مؤشرات على إمكانية دخول تركيا الرقة، أو بدقة أكبر السماح لتركيا بدخول الرقة.
هذا يعني أن تركيا في هذه النقطة لم تستطع تحقيق أي شيء حتى الآن، وليس هناك في الأفق ما يدفع للتفاؤل بأنها يمكن أن تحقق شيئاً.
هناك سبب خفي لدخول تركيا على خط القضية السورية لم يعلن عنه صراحة، ولكنه كثيراً ما يأتي على شكل تلميحات يطرحها كتّاب الزوايا القريبين من الحكومة التركية، هذا السبب هو كبح المد الإيراني في المنطقة العربية وخاصة بعد سيطرة إيران على العراق ولبنان واليمن وسوريا، فما الذي تحقق على هذا الصعيد؟ هل تراجعت إيران عن المنطقة والتدخل في المنطقة؟ ليس هناك في الأفق أي مؤشر على هذا الأمر، على العكس تماماً يبدو أن مؤتمر أستانا كرّس الوجود الإيراني فعلياً على الساحة السورية، فهناك قوات إيرانية محاربة، وتطلق النار، وتُكلف بمراقبة وقف إطلاق النار! إنها أشبه بنكتة…
الأمر لا يتوقف هنا، بل روسيا أيضاً مكلفة بالمراقبة، إيران وروسيا موجودتان عسكرياً في سوريا، ولهما الأرض والسماء فيها، ولديهما القدرة على تزوير الواقع، ولكن تركيا كيف ستراقب وقفاً وهمياً لإطلاق النار؟ وستراقب مع منافسين لها في سوريا؟
النار لن تتوقف إذاً، وستبقى تحصد الأرواح حتى جنيف جديد، وتركيا يمكن أن توزع التفاؤل على المؤيدين لها موهمة إياهم بأنها تحقق شيئاً.
هناك نقطة بدأت في الآونة الأخيرة تثير المنظمات الحقوقية وهي القتل المتكرر للهاربين من الجحيم السوري باتجاه الحدود السورية التركية على يد قوات الأمن التركية. وبدأت هذه النقطة بالتفاعل، وباتت تسبب مشكلة لتركيا. لعل تركيا تأمل بتطبيق وقف إطلاق نار لتزيل هذه العقبة من طريقها.
بالنتيجة إذا استعرضنا ما تم الوصول إليه على الأرض يمكن القول إن تركيا خسرت غالبية أوراقها في سوريا، وهي الآن في طور إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث