صدى الشام – ميرنا الحسن/
عانى الشعب السوري برمته قبل انطلاق الثورة من فساد الدوائر الحكومية المدنية منها والعسكرية التابعة لنظام الأسد والتي تغلغلت فيها كل أنواع المحسوبيات والرشاوي، إلى جانب ابتعادها عن الحيادية والموضوعية والشفافية بشتى المجالات، لذا فإن الشعب السوري الذي انتفض بوجه النظام عام 2011 تأمل خيرًا بالهيئات القضائية المشكلة حديثًا في المناطق الخارجة عن سيطرته ولا سيما مدن الداخل والشمال السوري.
وعقب خروج مناطق في سوريا من قبضة النظام برزت الحاجة الملحة فعليًا لجهة قضائية للبت في مختلف القضايا المتعلقة بحياة الناس، فظهرت الهيئة الإسلامية للقضاء في المناطق المحررة من بين الهيئات والجهات المختصة بالناحية القضائية، وتم تعريفها على أنها هيئة قضائية مركزية يتبع لها محاكم فرعية تختص بالفصل في الخصومات التي تعرض عليها، كما يتبع لها مخافر شرطية تعمل على فرض الأمن في المناطق المحررة.

تأسيس الهيئة الإسلامية للقضاء والمحاكم التابعة لها
تأسست الهيئة الإسلامية بتاريخ 1 آذار 2014 وشارك بتأسيسها فصائل عدة، وقد كانت الهيئة تُعنى بمناحي الحياة المختلفة القضائية والأمنية والطبية والتعليمية والخدمية والتربوية وغيرها تحت مسمى (الهيئة الإسلامية لإدارة المناطق المحررة في إدلب)، ثم اتسعت فيما بعد دائرة الفصائل المشاركة فيها.
اقتصر عمل الهيئة في بداية العام 2016 على الناحية القضائية بعد ظهور المؤسسات التي تعنى بمناحي الحياة الأخرى كهيئة إدارة الخدمات وغيرها من الهيئات الخدمية ثم تم تعديل اسمها إلى ” الهيئة الإسلامية للقضاء”.
ويتبع للهيئة عدد من المحاكم القضائية والمحاكم الصلحية ومخافر الشرطة ولكل منها اختصاص مكاني محدد في النظام الداخلي للهيئة، حيث تتوزع هذه المحاكم على أرياف حمص وحماة وإدلب، وقد بلغ عدد المحاكم القضائية في الهيئة الإسلامية أربع عشرة محكمة، في حين بلغ عدد المحاكم الصلحية سبع محاكم.
هيكلية الهيئة الإسلامية
أما عن هيكلية الهيئة الإسلامية فهي تتألف من مجلس الرئاسة، ومكتب التفتيش القضائي، والمكتب الإداري، والديوان العام.
والقضاء في الهيئة على درجتين، فهناك محاكم البداية التي تتألف من (رئاسة المحكمة، الديوان، النيابة العامة، دائرة التحقيق، الغرفة الجزائية، غرفة المعاملات، غرفة الأحوال الشخصية، غرفة الصلح، دائرة الكاتب بالعدل، دائرة التنفيذ ).
وهناك أيضاً محكمة الدرجة الثانية (محكمة التمييز ) وهي المحكمة الوحيدة في الهيئة الإسلامية والتي تتولى النظر في الطعون المقدمة على قرارات الدرجة الأولى.
وتتألف محكمة التمييز من ثلاث غرف قضائية، وهي الغرفة الجزائية وغرفة الأحوال الشخصية والغرفة المدنية، بالإضافة إلى ديوان المحكمة ورئاستها.
ومن الجدير بالذكر أن هناك إجراءات ناظمة للطعن في القرارات الصادرة عن محاكم البداية، وطرق الطعن مُبينة في النظام الداخلي للهيئة.
وبالنسبة للغرف القضائية في محاكم الهيئة الإسلامية فتتألف كل غرفة في محاكم البداية من قاضٍ شرعي مجاز في الشريعة الإسلامية على الأقل، ومستشار قانوني مجاز في القانون، وكاتب. في حين تتألف الغرفة القضائية في محكمة التمييز من ثلاثة قضاة شرعيين، ومستشار، وكاتب.
ولا بد من الإشارة إلى أن دور المستشار القانوني ينحصر في تنظيم ومتابعة الأمور الإجرائية للدعوى، وله أن يبدي رأيه في القرار في حين يتولى القاضي الشرعي مسألة النظر في الدعوى والفصل في حكمها.
أما المحاكم الصلحية فتتألف كل محكمة من قاضٍ شرعي، وكاتب، بالإضافة إلى ديوان المحكمة.
ومن الجدير بالذكر أن كل محكمة يتبع لها قسم شرطة يتولى حمايتها وتنفيذ قراراتها الصادرة عنها، وترتبط أقسام الشرطة بقيادة الشرطة المركزية التابعة لرئاسة الهيئة.
أهمية الهيئة الإسلامية
تكمن أهمية الهيئة الإسلامية في كونها تغطى قسما كبيراً من الشمال السوري المحرر حيث تمتد محاكمها كما سبق وأن ذكرنا في أرياف إدلب وحمص وحماة، وقد استطاعت الهيئة عبر محاكمها المتعددة النظر والفصل في عدد لا بأس من الخصومات والنزاعات، وتشير الإحصائية الصادرة عن الهيئة إلى أن عدد الدعاوى التي نظرت محاكم الهيئة بها منذ تأسيسها بلغت 55000 دعوى، كما أن للهيئة دوراً كبيراً في تنظيم معاملات الناس وتوثيقها عبر دوائرها المختصة كمعاملات عقود وإثبات الزواج وحصر الإرث، والعقود الرضائية والوكالات ونحوها، وقد بلغ عدد المعاملات المتفرقة التي قامت الهيئة الإسلامية بتنظيمها 16000 معاملة.
كما أن للهيئة الإسلامية من خلال محاكمها المتعددة وقوتها التنفيذية دوراً بارزاً في فض النزاعات وبسط الأمن في حوادث الاقتتال التي حصلت بين المدنيين، حيث تدخلت قوتها التنفيذية يؤازرها الفصائل الداعمة للهيئة في عدد من القرى التي حصلت فيها نزاعات واستطاعت فض الاشتباكات وتقديم المتنازعين إلى المحكمة ومحاكمتهم. وتجدر الإشارة إلى أن عدد دعاوى القتل التي نظرت فيها محكمة الجنايات في الهيئة الإسلامية بلغ أكثر من مئة دعوى منذ تاريخ تأسيس محكمة الجنايات في الشهر الرابع من عام 2016 م، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الدور البارز للهيئة في فض النزاعات وبسط الأمن في الأراضي المحررة.
العلاقة بين الهيئة الإسلامية والمؤسسات الخدمية
يجمع بين الهيئة الإسلامية والمؤسسات الخدمية علاقة تعاون وتكامل، حسبما ذكر رئيس الهيئة لـ صدى الشام، مشيراً إلى أن “كلاً منهما بحاجة إلى الأخرى”، كما أن تعاون الهيئة الإسلامية مع المؤسسات الخدمية في المناطق المحررة لا يقتصر على المناطق التي توجد فيها محاكم الهيئة، بل يشمل المؤسسات الموجودة في مناطق جيش الفتح، ومن أمثلة التعاون بين الهيئة الإسلامية والمؤسسات المدنية في الأراضي المحررة ما تم الاتفاق عليه بين مديرية الصحة في إدلب والهيئة الإسلامية بأن تقوم الأخيرة بالمساعدة في تنفيذ القرارات والتعليمات الصادرة عن المديرية في من خلال الإنذار والمحاسبة، وتطبيقاً لهذا الاتفاق قامت الهيئة الإسلامية بإنذار الصيدليات المخالفة والصيدليات التي لم تقم بالترخيص لدى مديرية الصحة في إدلب، وذلك بناء على كتاب خطي من المديرية.
كما تم الاتفاق بين الهيئة الإسلامية ومديرية التربية والتعليم في إدلب على أن تكون الهيئة عوناً للمديرية في تطبيق القرارات الصادرة عنها في مناطق الهيئة، ومحاسبة الممتنع عن ذلك.
وهناك جوانب أخرى تتضح من خلالها علاقة التعاون والتكامل بين الهيئة الإسلامية والمؤسسات الخدمية منها تسجيل القرارات الصادرة عن محاكم الهيئة في مديريات المصالح العقارية، وكذلك تسجيل القرارات التي تصدر عن الهيئة في دوائر السجل المدني.
القانون المطبق في محاكم الهيئة وآلية محاسبة العاملين
تعتمد الهيئة أحكام الشريعة الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الفقهاء، وفقاً لما أوضح رئيس الهيئة، مشيراً إلى أنه لا يوجد في الهيئة الإسلامية إلى الآن تقنين للأحكام الشرعية، غير أنه هناك تعاميم صادرة عن رئاسة الهيئة تُلزم القاضي بقول فقهي معين وذلك في القضايا المهمة كمسألة الديات وتغير قيمة العملة، أما المسائل الإجرائية فقد جرى تقنينها من قبل الهيئة الإسلامية، وألزمت محاكمها بالسير عليها.
أما فيما يتعلق بمحاسبة العاملين في محاكم الهيئة والجهة التي تتولى محاكمتهم أوضح رئيس الهيئة لـ صدى الشام أن الشكاوى التي ترفع على العاملين في الهيئة إما أن تكون متعلقة بعملهم سواء من الناحية المهنية أو السلوكية، وفي هذه الحالة تقدم الشكوى إلى مكتب التفتيش القضائي والذي يتولى بدوره التحقيق فيها وإعداد تقرير مفصل عنها ورفعه إلى رئاسة الهيئة لاتخاذ القرار المناسب، أما إذا كانت الدعوى المقدمة على العامل لا علاقة لها بعمله في الهيئة فتتم مقاضاته أمام محاكم الهيئة المختصة كأي فرد مدني، وهناك لجنة مسلكية مختصة بالنظر في الشكاوى المقدمة على عناصر الشرطة في الهيئة الإسلامية ومحاسبتهم.
معاملة إنسانية داخل السجون
يُعامل سجناء الهيئة الإسلامية معاملة إنسانية جيدة بحسب نائب رئيس الهيئة، فهم “يقيمون في مهاجع صحية مزودة بالاحتياجات الأساسية، كما أنهم لا يتعرضون لأي من أنواع التعذيب، وهناك تعاميم صادرة عن رئاسة الهيئة الإسلامية تمنع تعذيب السجناء أو إذلالهم أو احتقارهم منعا باتاً، كما أن الهيئة تعمل على أن لا يقتصر دور السجن على معاقبة السجين وزجره فحسب، بل أن يكون بالإضافة إلى ذلك فرصة لتأديبه وتهذيبه وإصلاح سلوكه، وذلك من خلال الدورات الشرعية للسجناء، وتشجيعهم على حفظ أجزاء من القران من خلال العفو عن مدة من العقوبة مقابل كل جزء يحفظونه”.
ومن حق المتخاصمين شرعًا توكيل من يشاؤون من المحامين للترافع عنهم أمام القضاء، سواء كان الوكيل قانونيًا أم مدنيًا، وذلك بناءً على أحكام الوكالة بالخصومة المحددة في الفقه الإسلامي. وفقاً لما أوضح رئيس الهيئة لصدى الشام.
ويعمد نظام الأسد إلى الانتقام من المواطنين السوريين الثائرين ضده سواء باعتقالهم شخصيًا أو الضغط عليهم لتسليم أنفسهم من خلال اعتقال النساء أو الأطفال أو أي شخص قريب من الإنسان المطلوب، فهل تسير الهيئة الإسلامية على ذات الخطى؟ .
بهذا الصدد يقول رئيس الهيئة “لا يؤخذ الإنسان بجريرة غيره، وهذا الأمر نص عليه ربنا في سورة الإسراء “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، وفي سورة النجم “أم لم ينبأ بما في صحف موسى وابراهيم الذي وفّى ألا تزر وازرة وزر أخرى”، فلا يحاسب بريء على فعل غيره مهما كانت درجة القرابة بينهما.
مساعٍ جادة لتوحيد القضاء
يؤكد رئيس الهيئة الإسلامية للقضاء أن توحيد القضاء في كل المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد هو مطلب الجميع، ويضيف “لا أظن عاقلًا يقر بأن تعدد الجهات القضائية حالة صحية، وقد حصلت محاولات عدة لتوحيد القضاء ونجح بعضها كتجربة القضاء الموحد في جيش الفتح، ولا تزال هناك مساعٍ حثيثة لتوحيد القضاء في المُحررّ على مرجعية واحدة، ولا بد من الإشارة إلى أنه بالرغم من تعدد الجهات القضائية في المحرر إلا أن هناك تفاهماً بينها وتعاوناً وتكاملاً، ولا أدلّ على ذلك من الاتفاق على عدم نظر أي جهة قضائية في دعوى سبق النظر فيها من قبل الجهة الأخرى، وهذا يؤدي لاستقرار الأحكام القضائية نوعاً ما، ويمنع الخصوم من التلاعب بالقضاء”.
وعن نظرته للقضاء ومستقبله في المناطق المحررة أفاد رئيس الهيئة بأن القضاء الشرعي في المناطق المحررة تجربة وليدة وقد مرت بمراحل عدة، وأنه تعترضها صعوبات جمة، ويمكن القول إنه بالرغم من التحديات التي تعترض القضاء إلا أنه في طور التحسن ويحتاج الى بذل المزيد من الجهود في سبيل الارتقاء به.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث