صدى الشام -عمار الحلبي/
عندما وطأت قدما “محمد كامل” الأراضي الأوروبية نهاية عام 2013 ظنَّ الشاب البالغ من العمر 36 عاماً أن المعاناة انتهت، وحين حصل على الإقامة عقب رحلة في مراكز استقبال اللاجئين سيئة السمعة بإجراءاتها المضنية اعتقدَ مرّة أخرى أنها “فُرجت” بالنسبة إليه، لكن عندما تعذّر عليه لم شمل زوجته وابنه الصغير اللذين يعيشان في بيروت تأكّد كامل أنّ معاناته لن تنتهي بهذه البساطة.
يقول كامل لـ “صدى الشام”: “حتى الآن لم أتمكّن من لم شمل أسرتي بسبب القوانين الاوروبية الجائرة التي تخصُّ لمّ الشمل”. ويضيف: “تقدّمت بإجراءات لم الشمل فور وصولي، لكنْ لم يأتِني ردّ من السلطات الألمانية بعد أشهر، وعندما توجّهت للسؤال عن مصير طلبي أخبروني أن هناك بعض الإجراءات الروتينية وأنه قيد الدراسة”.
فكّر الشاب بعد فشله في لم شمل أسرته بالعودة إلى بيروت مراراً بسبب عدم قدرته على تركها هناك، ويوضح كامل أن زوجته وابنه يعيشان ظروفاً سيئة هناك، ولا سيما فيما يخص الوضع الاقتصادي والمعيشي، وانعدام المساعدات الإغاثية التي تصل إلى السوريين هناك، ويشير إلى أنه كان يقوم بإعالتهم قبل أن يسافر، لكنه الآن لا يستطيع تقديم أي شيء لهم سوى أن يقف متفرّجاً على حالهم. حسب قوله.
قوانين جائرة
ساهمت قوانين لم الشمل الجديدة التي وضعتها الدول الأوروبية ولا سيما في ألمانيا والدنمارك في خلق مشكلة شتّتت الأسر السورية التي فصلت البحار الطويلة بين أفرادها، فبعد أن نجا هؤلاء من البراميل المتفجّرة وويلات المعارك، انتقلوا إلى خارج سوريا ليفترق شملهم.
ومن أبرز هذه القرارات ما اتخذته ألمانيا بخصوص الانتظار لمدّة عامين حتى تقديم لم الشمل، وهو ما زاد من معاناة الوافدين إليها أكثر.
وما زاد الطين بلّة هو أن السلطات الألمانية اتجهت منذ أشهر إلى منح القادمين الجدد صفة “الحماية المؤقّتة” التي تعترف بلجوئهم لمدّة عامٍ واحدٍ قابلٍ للتجديد في حال استمرّت “الحرب” في بلادهم، حيث يتم ترحيلهم في حال اعتبار بلدهم دولة آمنة، وذلك بعد أن كانت ألمانيا تمنح اللاجئين القادمين إليها صفة لاجئ.
الأمر ذاته تكرّر في الدنمارك، حيث صوّت البرلمان الدنماركي في كانون الثاني من العام الماضي على قانون يسمح بمصادرة المقتنيات الثمينة للاجئ وبيعها للإنفاق عليه، فيما اتجهت خلال الفترة ذاتها نحو منح اللاجئين إقاماتٍ مؤقّتة على غرار ما جرى في ألمانيا ما زاد المصاعب على السوريين الساعين إلى لم شمل أسرهم.
ماذا تعني الإقامة المؤقّتة؟
يشرح محامٍ رفض الكشف عن اسمه لـ “صدى الشام” أن أبرز المعوّقات التي تنتج عن الإقامة المؤقّتة أنها تَحوْل دون قدرة اللاجئ على لمّ الشمل، ويضيف المحامي المقيم في العاصمة الألمانية برلين لـ”صدى الشام”: “إن حامل الإقامة المؤقّتة لن يتمكّن من فعل ذلك لأنه لم يتم الاعتراف به بشكلٍ قانوني على أنه لاجىء ومقيم في هذا البلد كي يتم الموافقة على استقدام عائلته”.
ويعترف المحامي بأن هذه المشكلة صعبة الحل، لكن قد توجد لها مخارج في بعض الأحيان، ولا سيما مع محاولات خجولة لبعض اللاجئين الحاصلين على الحماية المؤقّتة تقديم طعنٍ إلى المحكمة الألمانية التي منحتهم هذه الصفة، وقد تنجح هذه المحاولة بتحويل الإقامة المؤقّتة إلى صفة لاجئ وقد لا تنجح، على ما يشير المحامي.
ويؤكّد أن الحل الأكثر واقعية هو الحصول على إقامة لاجئ من خلال قانون الاندماج الذي أقرّته الحكومة الألمانية، والذي يمنح طالب اللجوء إقامة تخوّله الاستقرار ولم شمل أسرته، ولكن بعد أن يتمكّن من إتمام مرحلة ” B2″ في اللغة الألمانية، وإيجاد عمل أو دراسة أو تدريب مهني، لكنه اعتبر أن هذا من المستحيل أن يحصل قبل عامين مهما كان نشاط اللاجئ كبيراً ومحاولاته للاندماج مستمرة.
تأشيرات لم الشمل بارتفاع
منحت السلطات الألمانية ما لا يقل عن 70 ألف تأشيرة دخول للبلاد عبر نظام لمّ شمل الأسر على مستوى العالم خلال عام 2016 حسب ما نقلته صحيفة “دي فيلت” الألمانية في عددها الصادر في الرابع من شهر كانون الثاني الجاري.
ونقلت الصحيفة عن مصادر في الخارجية الألمانية قولها: “إن عدد تأشيرات لم الشمل في عام 2015 لم تتجاوز 50 ألف تأشيرة، و30 ألف تأشيرة عام 2014”.
وعبّر الحزب الديمقراطي المسيحي العضو في الائتلاف الحكومي الذي تقوده المستشارة أنجيلا ميركل عن قلقه بشأن التزايد المطّرد في هذه الأرقام.
تخوّف من القادم
وقال يوهانس سينغهامر رئيس الفريق البرلماني للحزب: “إن عدد اللاجئين الذين يدخلون ألمانيا عبر الالتحاق بأسرهم سيتجاوز في المستقبل عدد اللاجئين الذين يقدمون طلباتهم بالطرق العادية، داعياُ إلى إيجاد مراكز إيواء في مناطق المنشأ بحماية غربية أو أممية يمكنها ضمان لم شمل أسر اللاجئين”.
واعتبر أن الأمر أسوأ بكثير من استقبال لاجئين جدد، على اعتبار أن لم الشمل سيجلب إلى بلاده أعداداً أضعاف اللاجئين الموجودين حاليًا في ألمانيا، مستنداً إلى بيانات المكتب الفيدرالي للهجرة واللجوء، والذي توصل إلى أن كل لاجئ معترف به سيستقدم شخصاً واحداً على الأقل من أفراد عائلته، وهنالك من سيستقدم ثلاثة وأكثر.
وحذر سينغهامر من احتمالية وجود نقص في المساعدات المقدمة للاجئين، قائلاً “سيكون هذا تحديًا كبيرًا، في وقت ما ربما لن يكون هناك ما يكفي من المساكن والمربين والمعلمين، يجب أن نفعل ما بوسعنا لضمان فعالية وقدرات الاندماج”.
وتستقبل ألمانيا عدداً كبيراً من طالبي اللجوء، معظمهم من سوريا، إذ استقبلت في العام 2015 ما يزيد عن 900 ألف لاجئ، 326 ألفًا منهم سوريون.
ووصل عدد السوريين الذين قُبلت طلباتهم في الربع الثالث من عام 2016، إلى 82 ألف لاجئ، يليهم العراقيون بـ 14 ألف لاجئ، وذلك بعد دخول الاتفاق التركي الأوروبي الخاص بوقف تدفّق اللاجئين حيز التنفيذ.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث