صدى الشام - جلال بكور/
بعد هدوء غبار المعارك والتهجير على السواء تأتي المراجعات لفهم ما كان يحدث على الأرض السورية. وهنا يبرز ما حصل في حلب عقب الهجوم الأخير عليها والذي لم يكن سوى حصيلة اتفاق ثلاثي إيراني روسي مع نظام الأسد، بعد اجتماع عقد بين وزراء الدفاع الروسي سيرغي شويغو والسّوري فهد الفريج والإيراني حسين دهقان، في العاصمة الإيرانية طهران.
الاجتماع الذي عقد في التاسع من حزيران الماضي وكانت الدعوة إليه من قبل إيران تحديداً من أجل الإسراع بالتقدم نحو حلب وذلك خوفاً من وقوع تغيّر في سياسة التعاطي مع الوضع السوري من قبل موسكو وواشنطن.
وسبق الاجتماع حديث دعائي عن التنسيق من أجل دخول “معركة الرقة” رغم عدم وجود أي جبهة للنظام في الرقة. وهو ما يحيلنا بوضوح لحقيقية أن الاجتماع كان هدفه حلب حيث بدأت تتجه قوات النظام رويداً رويداً لقضم المناطق شمالي المدينة حتى تمكنت من فرض حصار على الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة.
لم يكن اجتماع طهران في ذلك الوقت متعارضاً مع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في التعاطي مع الوضع السوري ولم يتخطّى الخطوط الأمريكية الحمراء، ما يشير لرغبة كبيرة لدى واشنطن في أن تدير قوات نظام الأسد والميليشات الكردية مدينة حلب أو أحدهما.
ومع سقوط حلب جاء التّغيّر في التعامل الروسي مع الملف السوري ليأخذ منحى آخر بالاتفاق مع تركيا، ومن الواضح أن ذلك المنحى خالف ما طمحت إليه إيران بعد إسقاط حلب، كما أنه خرق الخطوط الأمريكية الحمراء، فهل ستتمكن روسيا من لجم طموح إيران أم أنها ستعود للدوران داخل الخطوط الأمريكية؟
وهنا يضعنا التساؤل في مواجهة المرحلة المقبلة هل ستكون هناك مرحلة تفاوضية أم قتال دموي وقصف ومجازر بالجملة، كالمرحلة التي تلت اجتماع حزيران في طهران، وهل سيمضي اتفاق أنقرة الأخير كما هو منصوص في بنوده الخمسة أم أن روسيا ستنصاع للخطوط الحمراء الأمريكية ويبقى الاتفاق كغيره لايساوي قيمة الحبر الذي كتب به؟
أمريكا الآن أمام ذراعين يجب عليها كسرهما وهما روسيا وتركيا، كي تبقي الوضع على ما هو عليه. وتشير التوقعات إلى أن الأمريكان سيستفيدون من الطموح الإيراني في مواجهة روسيا كما ستستخدم واشنطن داعش والميليشيات الكردية ضد تركيا التي باتت لا تثق بواشنطن خاصة بعد انقلاب 15 تموز وانسحاب التحالف من معركة الباب.
مايفسر عدم التزام إيران والميليشيات التابعة لها بالهدنة ليس شعورها بالقوة والنفوذ الكبير في سوريا فحسب بل وجود يد أمريكية خلف ذلك، وفي المرحلة المقبلة ستكون إيران ذراع واشنطن ضد موسكو في حال استمرت روسيا في هذا الطريق؛ طريق التفاوض والهدنة، ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة لم تقم بنقض قرار مجلس الأمن الأخير حفاظاً على ادّعائها برعاية السلام والوصول بسوريا إلى حل سياسي لأنها في الواقع لو أرادت حلاً سياسياً لأنجزته في ساعتين.
رغبة روسيا في الخوض بالهدنة والتفاوض هو شعورها بأنّ الأمور في سوريا باتت تسير نحو يد إيران بالكامل وهو مايفسر نشر شرطة عسكرية في حلب، لماذا تنشر روسيا هكذا قوات في حلب وماهي الغاية؟ غايتها فقط الحد من النفوذ الإيراني، الذي اتضح تمدده جلياً، خصوصاً في الرغبة بالسيطرة على وادي بردى والغوطة الشرقية.
تتذرع إيران والنظام بضرب أهداف تابعة للنصرة “جبهة فتح الشام” وهي الذريعة وربما الثقب الموجود في اتفاق أنقرة والذي لم تتضح معالمه بشكل كامل، لكن الجميع يعلم أن المعقل الرئيسي للجبهة هي إدلب. لكن لماذا الغارات في الغوطة ووادي بردى، وريف حلب الجنوبي وليس إدلب؟ نحن أمام أمرين إما هذه المناطق مستثناة فعلاً من الهدنة ومُسلَّمة لإيران إرضاءً لها، أو أن إيران مُصرة بدعم من واشنطن على بسط نفوذها في المنطقتين لتتمكن من تطويق دمشق أمنياً بالكامل، وإبقاء سوريا في معركة استنزاف مستمرة بدون هدنة وتفاوض.
تبقى الأيام القادمة كفيلة بإظهار مجرات الأمور ومآلاتها فالأمور لن تنتهي عند إقرار هدنة وإحصاء خروقاتها ومدى التزام الأطراف بها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث