صدى الشام _ ثائر الزعزوع/
في صورة بالأبيض والأسود التُقطت إبان الحرب العالمية الثانية، يظهر عجوز ألماني جالساً على حطام بيته، يقرأ كتاباً ما، قد يكون الكتاب الذي يمسكه الرجل بين يديه بعناية شيئاً من فلسفة هيغل أو كانط وربما يكون الإنجيل مثلاً، وفي صورة أخرى تعود للفترة ذاتها تقريباً يقيم أستاذٌ ياباني مدرسة بين الأنقاض ليعلم الأطفال ما فاتهم من معارف خلال فترة الحرب، لم يعد الألمان أو اليابانيون بحاجة لنشر مثل هاتين الصورتين أو أي صور أخرى، هم الآن يتقدمون إلى الأمام متكلين على معارفهم، والدولتان تتصدران اللوائح العالمية في مجال المعرفة والتطوير العلمي، وتتقدمان اقتصادياً بطريقة مذهلة لتنافسا دولاً مستقرة لم تتعرض لما تعرضتا له من مصائب، يحلو للبعض أن يصف اليابان اليوم بالكوكب الياباني الشقيق، وهو محق لأن بلاد الشمس باتت بعيدة كلياً عن أي بلد آخر. فيما تفتح ألمانيا أبوابها لاستقبال أولئك الذين شردتهم الحروب والديكتاتورية والاستبداد بكافة أنواعه عن بلدانهم، فتصبح وطناً بديلاً لمئات الآلاف من المهجرين.
تبدو المعادلة مقلوبة بعض الشيء لدينا، دعونا نقل إنها مقلوبة بشكل كامل، فالمعرفة آخر ما يمكن أن تسعى إليها شعوبنا، هي تسعى لمعرفة ما يجوز وما لا يجوز، رغم ” إن الحلال بيِّن وإن الحـرام بيّن” لذلك فهي تستعين بالشيوخ للاستعانة على المستقبل، وتستعين ببعض السياسيين المبتدئين لفهم ما يجري من حولها من كوارث قد تبدو فجائعية إن لم تتطابق مع وجهة نظر ذلك السياسي ومزاجه، بينما تبدو جنة الرضوان إن طابقت ميول السياسي وتوجهاته.
من قال إن العودة للكتاب قد تكون سبيلاً للخروج من الظلمة؟ من قال إن البحث في الفلسفة والأدب قد يسعفنا لاستعادة ذواتنا التي مزقتها وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية؟ فنحن توقفنا منذ فترة طويلة عن شراء الجرائد وقراءتها، وأما الكتب فحدّث ولا حرج. يستطيع أي ناشر عربي أن يمضي ساعات في الشكوى من قلة التوزيع، ويستطيع أيضاً أن يعتذر من عشرات الكتاب لأنه لن يستطيع طباعة كتب جديدة لهم، فليس هناك سوق لتصريف “البضاعة”.
صرنا نفضل اللجوء إلى قارئي الحظ، والمتنبئين وننتظر مطلع كل عام لنسمع ما سيقولونه لنا و نستعد إما للمصائب أو للسعادة، صرنا نصدق أن أولئك المتنبئين والذين لا يستند معظمهم إلى معرفة ودراية هم أدرى منا بذواتنا، ولذلك حملناهم في بعض الأحيان سبب فشلنا، وقلنا في آخر العام إن نبوءاتهم كانت كاذبة، لكننا لن نمانع من اللحاق بهم مرة أخرى لعلهم ينقذوننا هذه المرة، هذه السنة، هذا العقد، وربما هذا القرن… وننسى “كذب المنجمون ولو صدقوا”.
في صورة معاصرة لا تخلو من العبثية يتحلق مئات الشباب حول رجل طاعن في السن “أمّي ربما” يسمونه إماماً أو شيخاً يحدثهم عن أمور الحياة، ويبشّرهم أن الله سوف ينصرهم إن عاجلاً أم آجلاً، لأنهم عباده الصالحون، أما أولئك المتفاخرون في الغرب الكافر، فسيمحقهم ويزيل ما هم فيه من تكبر وتفاخر. ولا يتذكر أن يقول لهم “وأعدوا لهم ما استطعتم من القوة ومن رباط الخيل” مثلاً، والقوة ليست قنابل ومتفجرات وأجساداً مفخخة، لكنه معرفة لأنه “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” لكن شيخهم يسترسل وهو يحدثهم عن أصول الخروج من دورة المياه. ويعلمهم أيضاً كيف يستلون سيف التكفير ليشهروه في وجه كل من يختلف معهم، وهم يتقنون هذا الأمر جيداً، يكفّرون كاتب مقالة بسبب ما كتبه، يكفّرون عالماً بسبب علمه، يكفّرون ويقتلون.. بينما العالم في الخارج يفكر بعيداً، بعيداً جداً، ثمة حياة يقال إن الإنسان يفكر أن يعيشها على المريخ… المريخ؟ دعهم “في غيهم يعمهون” فلنا الجنة ولهم النار خالدون مخلدون فيها…ولن تقيهم معارفهم “يوم يحشرون”. وكأن “الجهل” و”التخلف” وتمزيق المجتمعات سترسلنا جميعاً إلى “جنة وسعها السماوات والأرض” وكأن القرآن لم يخاطب الناس “يا أولي الألباب” أي يا أصحاب العقول، وكأن شعوبنا لم تقرأ أن أبا العلاء المعري كتب قبل ألف عام أن “لا إمام سوى العقل”.
قرؤوا؟
ولكنهم لا يقرأون.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث