مهند الحاج علي _ المدن/
لا يفوت زعيم التيار الوطني الحر وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل مناسبة للحديث عن أثر انتخاب رئيس الجمهورية ميشال عون، في إحداث تبدل ثوري في واقع المسيحيين. قبل يومين، دشّن المبنى البلدي الجديد في فاريا، وربط بين هذا المشروع المحلي الصرف، وبين قدرة التيار على أن يعمل أكثر ”لاننا نستعيد دورنا وقوتنا المسيحية في هذا البلد لأول مرة في لبنان منذ عام 1990، شهدنا حكومة ميثاقية يتمثل فيها المسيحيون تمثيلًا صحيحاً، والزمن الذي كان فيه المسيحيون ضمن الحكومة لا يشكلون قوة أو كتلة قد ولى“.
لكن ماذا تعني هذه العودة المفترضة للمسيحيين إلى السلطة في لبنان؟ كيف ستُترجم على أرض الواقع؟ منذ عام 2005، بنى التيار الوطني الحر خطابه السياسي على تغييب المسيحيين من السلطة السياسية. كان يُخاطب جمهوره بحجة أن تغييبه وتحجيمه في السُلطة، هو تغييب وتحجيم للمسيحيين. وعودته اليوم إلى السلطة تعني عودة المسيحيين، ونفوذه فيها يعكس إرادتهم الانتخابية أيضاً. هذه عودة تحققت، لكنها غير كافية. فالتيار، وكي يحبك دوره السياسي بمصير المسيحيين، طرح مشاريع قوانين تُخاطب مشاعر الخوف الديموغرافية المسيحية، وأدخل مفردات العداء والخوف من النزوح السوري في خطابه. لذا فإن مشاريع إعادة اللاجئين ستكون بين اقتراحات العهد الجديد، وقد تُفخخ العلاقة مع تيار ”المستقبل“ ورئيس الحكومة سعد الحريري. وما يرفع من احتمالات انتهاج مثل هذه السياسة، إلقاء البطريرك الراعي ثقله وراءها، لا بل تخطيه الخطاب العوني حيالها، إذ صرح اثر لقائه رئيس الجمهورية أمس بأن اللاجئين السوريين ”يهددون الاستقرار الداخلي، وينتزعون لقمة العيش من فم اللبنانيين، ويعرضون نفوسهم للاستغلال السياسي والمذهبي والإرهابي، ويشكلون عبئاً ثقيلاً تنوء تحته الدولة والشعب“.
واللاجئون السوريون هدف سهل ومتوقع منذ انتخاب عون. لكن الحد من الوجود السوري في لبنان لا يُعالج التراجع الديموغرافي المسيحي مقابل بقية المكونات. بل لهذه المعضلة حل واحد للتيار: إستعادة المسيحيين من أصول لبنانية في بلاد الاغتراب الجنسية اللبنانية. بعد إقرار البرلمان قانون استعادة الجنسية في نيسان الماضي، ألمح باسيل إلى تواطؤ دولي لتجنيس أو توطين اللاجئين السوريين في لبنان. لهذا، فإن القانون يعيد الجنسية إلى اللبناني، وهو بحسب وزير الخارجية ”انسان مميز وفريد، بحمضه النووي ونخاعه والخزعة“. وأساس هذه الفرادة قدرته على الانسجام في أي مكان. نظرياً، يسمح قانون استعادة الجنسية لملايين المسيحيين من أصول لبنانية إما بالعودة وبالمشاركة في العملية السياسية، أو أقله مصالحة المناصفة مع الإحصاءات السكانية التي تنحو باتجاه المثالثة. لكن ذلك دونه عقبات مادية (نشرت صحيفة لبنانية قبل شهر أن كلفة إعادة المسيحيين إلى توازن عام 1950، تبلغ 20 مليار دولار). ولا يُمكن فصل الزيارات المتكررة لباسيل إلى أميركا اللاتينية ودول أخرى عن هذا الجهد المتواصل، لكن الأمل الأكبر معقود على فنزويلا التي تشهد انهياراً أمنياً وأعمال عنف قياسية وهجرة معاكسة اقتصرت في لبنان على المهاجرين الجدد نسبياً ممن احتفظوا أصلاً بجنسيتهم وروابطهم العائلية.
وكان باسيل زار فنزويلا العام الماضي في إطار جولة أوسع على أميركا اللاتينية، ولكن لا يبدو أن هناك تخطيطاً أبعد من القانون، بل مجرد عناوين وتصريحات للاستهلاك السياسي مثل ”جئنا لنقربكم ونعيد وصلكم ببلدكم“. بيد أن مثل هذه العودة تحتاج إلى شبكة علاقات واسعة النطاق، وتسهيلات لوجستية داخل لبنان لا يبدو لها أي أثر اليوم، إلا إذا استُخدمت مشاريع الغاز والنفط المرتقبة لدعم هذا المجهود الديموغرافي. لكن باسيل ما زال مصراً على استخدام التحذير من خطر النزوح السوري وتوطين الفلسطينيين، حتى من باب الغمز، لحض المهاجرين على العودة. في جولته الأخيرة في أميركا الوسطى للترويج للقانون، حض الجالية اللبنانية في جمهورية الدومينيكان على استعادة الجنسية الذي ”لا يتعارض مع هويتكم الدومينيكانية، كما أن الأمر لا يكلفكم مالاً ولا جهداً، بل يعطينا نحن الكثير فلا يصير لبنان وطناً بلا شعبه“.
ودخل وزير الخارجية اللبناني في حسبة الأرقام، إذ يبلغ عدد اللبنانيين في جمهورية الدومينيكان نحو 100 الف شخص، ”وإذا استعاد 10 في المئة منهم جنسيتهم، يساهمون بأن يكون لبنان للبنانيين وليس لسواهم“. المفارقة أن الخطاب التحذيري كان في مركز للمغتربين المشرقيين في جمهورية الدومينيكان اسمه ”النادي اللبناني-السوري-الفلسطيني“!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث