صدى الشام _ سلامة كيلة/
الوضع العالمي لم يعد مستقراً كما كان خلال مرحلة الحرب الباردة ومن ثم الهيمنة الأميركية الأحادية، فقد أفضت الأزمة المالية سنة 2008 إلى وضع يفتح على احتمالات بعد أن أفلت من سطوة أميركا. فرغم قوة أميركا العسكرية وتفوقها الكبير، وضخامة اقتصادها الذي ما زال هو الأول، باتت تعاني من أزمة لا تسمح لها بأن تستخدم هذه القوة العسكرية كما شاءت مثلما فعلت في العقد الأول من هذا القرن. وهي أزمة اقتصادها الذي بات يعاني من تراكم مالي هائل، أخذ ينشط في المضاربات والمديونية، وهو ما يقوده بشكل مستمر إلى الوقوع في فخ الفقاعات المالية التي سرعان ما تنفجر فتهدد مجمل الاقتصاد الأميركي والعالمي بالانهيار.
يبدو أن هذا الوضع الذي باتت تعانيه أميركا فرض “تحرر” دول كانت تخضع للهيمنة الأميركية، حيث باتت تميل إلى رسم سياسات “مستقلة”. فدول مثل تركيا أو السعودية (والخليج عموماً)، تميل إلى أن تعزز وضعها “المستقل”. وهي تستفيد من بزوغ روسيا لكي تجد مساحة للمناورة وتعزيز وضعها. وربما تفتح على الصين كذلك. حيث يبدو أن العالم لم يعد أحادياً تحت السيطرة الأميركية بعد الأزمة المالية وتقدم روسيا لكي تفرض هيمنتها، وميل الصين لكي تسيطر كذلك. وبهذا بات واضحاً أن “في القمة” ثلاث دول يمكن المناورة بينها هي: أميركا، روسيا والصين، أو بالتحديد هناك دولتين باتتا متقابلتين، حيث يسعى كل منهما لتعزيز سطوته العالمية: الأولى أميركا التي تريد الحفاظ على وضعها العالمي بتشكيل تحالفات جديدة، وروسيا التي تتقدم لكي تحلّ محل أميركا، رغم الميل الأميركي للتحالف مع روسيا في مواجهة الصين. ولا شك في أن أوروبا تحاول الإفادة من الوضع الجديد لتعزيز دورها عالمياً، وتحسين امتدادها العالمي كذلك، رغم ضعف قدراتها وتناقض المصالح بين دولها. وأيضاً تعمل الصين بكل السبل الاقتصادية لفرض هيمنتها، خصوصاً أنها باتت تميل إلى التوسع العسكري.
هنا سوف أتناول ما يدور حول المنطقة العربية وفيها من سيوله في التحالفات، التي لم تصل إلى نهاياتها بعد، والتي ستتأثر أكثر بعد نجاح دونالد ترامب رئيساً في أميركا، وهو الآتي باختلاف كبير عن سياسة باراك أوباما. فإذا كانت تركيا خلال الحرب الباردة ضمن الحلف الأطلسي، وتابعة لأميركا خلال نصف القرن الماضي، فقد أدت الثورة الإيرانية إلى تغيير موضع إيران وميلها لمسار “مستقل”، دفعها نتيجة الضغط الأميركي إلى “التحالف” مع روسيا في صفقة هدفها حماية النظام مقابل مصالح اقتصادية. وهو الوضع الذي ما زال قائماً بشكل ما رغم اختلاف وجهات النظر في سورية، الاختلاف الذي يؤجل حسمه إلى مرحلة “استقرار الوضع” كما يبدو. لكن يبدو واضحاً أن التوصل إلى الاتفاق النووي فتح على وضع جديد بين كل من أميركا وإيران، حيث تسعى أميركا أوباما إلى “التحالف” مع إيران في إطار استراتيجيتها العالمية الهادفة إلى حصار الصين وتشكيل حاجز يمنعها من الوصول إلى الخليج (بما فيه العراق)، الذي ما زال “جزءاً من الأمن القومي الأميركي” حسب مبدأ كارتر.
وهذا ما يجعل إيران في وضع يجعلها قادرة على المناورة بين أميركا وروسيا، وربما يقودها إلى تعزيز التحالف مع أميركا، فكل اقتصادها مرتبط بـ “الغرب” وليس بروسيا، رغم الصفقات التي وقعتها معها، والتي يمكن شطبها في حال التفاهم مع أميركا، لأنها كانت في حالة اضطرار لذلك نتيجة الصراع مع أميركا. وإيران لا تستطيع أن تفكّر في أن تكون قوة عالمية، رغم طموحها الذي أخذ يتكسر نتيجة الحصار الأميركي خلال المرحلة السابقة، وربما جموح روسيا لأن تهيمن بما يجعلها تابعة دون مصالح حقيقية.
بينما نلمس أن تركيا بعد أزمتها مع أوروبا وميلها “الشرقي”، أخذت تبتعد عن أميركا، وتسعى لأن تصبح قوة عالمية تهيمن على الشرق الذي اعتبرته من “حقها” وفق الإرث التاريخي، وهذا ما كان يقارب بينها وبين روسيا، ويدفعها إلى “التحالف” مع إيران (حيث كانت ممر تسهيل بيع النفط وتهريب السلع حينما كانت هذه الأخيرة محاصرة)، ومع النظام السوري حين سعت أميركا لحصاره بعد اغتيال رفيق الحريري بداية سنة 2005.
ولا شك في أن تعقيدات الصراع في سورية والعراق يدفع تركيا إلى تقارب أكبر مع روسيا، حيث أصبح واضحاً أن أميركا تمنع تدخلها في سورية، وتحاصر دورها هناك، وحين تصادمت مع روسيا ظهر الموقف السلبي الأميركي واضحاً. لكن لا شك في أن روسيا كذلك تميل إلى التقارب مع تركيا نتيجة ميلها لتعزيز تحالفاتها العالمية من طرف، ولكن لأن تركيا باتت الممر لخط الغاز الواصل إلى أوروبا بعد غلق الخط المارّ بأوكرانيا. ولهذا تطور التبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل كبير، وباتت روسيا هي الدولة الأولى في التبادل التجاري. إن طموح تركيا لأن تكون قوة عالمية سوف يجعلها تبتعد عن أميركا، أميركا التي لم تعد بحاجة إلى تركيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وأيضاً لدورها العسكري ضمن الحلف الأطلسي بعد أن باتت قواتها تقوم بهذا الدور، وبعد أن انسحبت من “الشرق الأوسط”.
في هذه الوضعية نلمس الميل لتشكيل تحالف روسي تركي، ودفع لكي تكون إيران جزء منه رغم صعوبة ذلك، وهو التحالف الذي سهّل دور تركيا في الشمال السوري ضد داعش، وللسيطرة على الحدود الشمالية لسورية، وربما تفضي الأيام القادمة إلى تعزيز هذا التحالف، وليس بالضرورة أن تكون إيران جزءاً منه، إيران التي ستكون أقرب إلى التحالف مع أميركا. ولا شك في أن نجاح ترامب يمكن أن يعدّل من هذا المسار، خصوصاً أنه يريد التقارب مع تركيا وتصعيد الحصار على إيران، لكن هذا ليس نهاية الأمر لأن المصالح هي التي سوق تحسم النتيجة، وهذا أحد أشكال سيولة الوضع العالمي، الوضع الذي لم يستقر بعد، ولا يبدو أنه سيستقر في فترة قريبة.
وإذا كانت تركيا قوة كبيرة، وأكبر قوة عسكرية في الحلف الأطلسي، فإن السعودية ودول الخليج هي دول تابعة لأميركا، وخضعت لمجمل السياسات الأميركية منذ عقود طويلة، وأصبح الأمر “أثبت” بعد إقامة قواعد عسكرية في السعودية وقطر ودول الخليج الأخرى بعد احتلال العراق لدولة الكويت سنة 1990. ولقد كانت أدوات للسياسة الأميركية، وممول كل حربها ضد التحرر والتطور، ومساعدها في نشر الأصولية و”الجهاد”. لكن ظهر واضحاً أن الأمور باتت تسير نحو “تناقضات” في المنظورات والسياسة بعد الثورات العربية، وخصوصاً بعد الاتفاق النووي مع إيران، حيث دعمت أميركا وصول جماعة الأخوان المسلمين إلى السلطة ورفضت السعودية ذلك بشدة معتبرة أنه تهديد لوضعها الديني. ورغم تراجع السعودية عن موقفها هذا فإن “التقارب” الأميركي الإيراني هو ما بات يشكّل قلقاً لها، لأنه يعني دعم “خصم إقليمي” يحاول التمدد في المنطقة العربية، وله وجود فعلي في “أربعة عواصم عربية”، ويحاول السيطرة على الخليج. وزاد من هذا التخوف السعودي الموقف السلبي الأميركي من التدخل السعودي في اليمن، واللا مبالاة للتدخل الإيراني في العراق وسورية. لهذا أخذت السعودية تطور علاقاتها مع روسيا، رغم الاختلاف في الموقف من الوضع السوري، الذي لا يؤثر في تطور العلاقات بين البلدين كما صرّح وزير الخارجية الجبير. وأخذت ومجمل دول الخليج العربي تميل إلى تطوير العلاقة مع روسيا، والتفاهم حول أسعار النفط، وشراء السلاح، وتعزيز العلاقات التجارية. ولا شك في أن قانون “جاستا” المتعلق بتحميل السعودية “ضريبة دعم الإرهاب”، والسماح للمتضررين من أحداث 11 سبتمبر رفع قضايا تعويضات عليها، يعزز من “العلاقة الإشكالية” التي باتت واضحة بين الطرفين. وهنا سنلمس أن نجاح ترامب سيزيد من صعوبة العلاقة لأنه يتخذ موقفاً سلبياً منها، ويريد جعلها تدفع “ثمن حمايتها”.
إذًا، السعودية وروسيا يسيران نحو التقارب كذلك، وبهذا يمكن ملاحظة ممكنات تحالفات جديدة تضم روسيا وتركيا والسعودية (وربما مصر والدولة الصهيونية، وأيضاً النظام السوري المفروض روسياً)، مقابل ميل أميركي إيراني للتفاهم، وهو ما يقلب المنظورات السابقة، وكل المعادلة التي قام عليها منطق الممانعة، وموقف اليسار الممانع.
هذه “صورة” تظهر الآن، وربما يخلخلها من جديد أزمة كبيرة تطال الاقتصاد العالمي. لكن الواضح أن أزمات الدول الإمبريالية تدفعها إلى سياسات جديدة تخلخل كل ما كان مستقراً في العقود الماضية، حيث أن صراعاً خفياً بدأ يظهر بينها، وتنافساً كبيراً قد يدفع لصدامات.
ولا شك في أن نجاح ترامب يفتح على وضع جديد، بالضبط لأنه يمكن أن يعزز من الميل الانكفائي الذي بدأه أوباما، لكنه يفتح على تحالفات بين الإمبرياليات كما كان يجري في النصف الأول من القرن العشرين، ليتشكل محوران إمبرياليان متصارعان.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث