الرئيسية / رأي / ما الذي سقط من الحقيبة؟

ما الذي سقط من الحقيبة؟

صدى الشام _ ميسون شقير /

في ليلة الرحيل الكبير كان علينا أن نجلس أمام تلك الحقيبة التي سنحملها وتحملنا طويلاً، كان علينا أن نحاول أن نحشر فيها أيامنا الطويلة الماضية المطوية جيداً، أحلامنا المكوية، ملابسنا، زجاجة عطر لم يبقَ فيها إلا رائحة من أهدانا إياها، شالات لأمهاتنا مطرزة بالدعاء وضعناها كي نقنع هذا الرحيل أننا سنكون بخير. أوراق كثيرة مصدّقة وعليها طوابع، محفظة صغيرة وضعنا فيها ما كنا نعتقد أنه هوياتنا وشهادتنا التي كنا نتخيل أنها ستشهد علينا في البلاد الجديدة، صور طفولتنا وشبابنا ودراستنا وأولادنا وهم صغار جداً، صورنا حين لم نكن نتخيل يوما أنه سيأتي يوم ويكون علينا هكذا تركُ دمنا خلفنا والرحيل مسرعين، في هذه الليلة كان علينا أن نحمل صور الذين سنتركهم هنا وحيدين يرعون غيابنا جيداً، وأن نخبئ في زاوية الحقيبة صوراً للذين تركناهم تحت التراب، صورهم مع شريطة سوداء نزعناها عن الجدار الذي كانت تسنده من السقوط. وضعناها في الحقيبة كي نقول لهم أنهم معنا وأننا لن نتركهم وحدهم ينتظرون في القبور.

في هذا الرحيل الكبير، في هذا القلع كشجرة تحاول أن تتمسك بالجذور، كجذور تحاول أن تتمسك بالتراب، كتراب يحاول أن يتمسك بباقي الأرض، في هذا الرحيل الكبير كنا نحاول أن نرشي الزمان بصوف الأمنيات الذي حكناه لندفئ هروبنا القسري، لندفئ ثلج أيامنا التي تنتظرنا هناك في البلاد التي فيها رصاص سيطلق على حناجرنا، البلاد البعيدة التي لا مكان فيها لموتنا واعتقالنا، لا مكان فيها لرعبنا، وذلنا وسجوننا وتعذيبنا، والتي لا سماء فيها لرايات سوداء تسرق منا لون دمنا، البلاد البعيدة الجميلة، البلاد الجديدة النظيفة، المرتبة، المنظمة، المليئة بالغابات، وبالأطفال الشقر النظيفين. كنا نعلق للحياة التي تنتظرنا أقراطاً طويلة في أذنيها، وكنا نصنع لها من كل صورأمنياتنا خلخالاً جديد ولم نكن نريد أن نصدق أن طعم الحياة سيصبح في البلاد التي لا يعرف هواؤها لغتنا، ولا يعرف فيها الكلام طعم الكلام، لم نكن نصدق أن طعم الحياة سيصبح مثل طعم الأكل المسلوق وبدون أي ملح.

في الرحيل الكبير لم نكن نريد أن نعرف أن الأيام القادمة، في بلاد لا تعرف طرقاتها طعم أقدامنا، لا يعرف شرودها رائحة ذكرياتنا، ستفرد لنا عمرنا الذي حاكته لنا أمهاتنا، وأن كل شيء في البلاد الجديدة، حتى الأشياء التي جئنا لأجلها، الأشياء التي حرمنا منها، الأشياء التي ألبسناها كل أحلامنا الواسعة، كل هذه الأشياء ستمرر لنا عمرنا فوق بخار غربتنا الساخن الذي يصعد من أرواحنا، وسوف تشد لنا خيوط هذا العمر، ستجعلها مستقيمة وستعيد لنا حياكتها، لكن عمرنا الجديد هذا سيكون ضيقاً جداً علينا وأننا لن نلبسه مرة ثانية وأننا سنبرد إلى الأبد، لم نكن نتخيل أن كل الأمهات الأنيقات في بلاد الثلج سيحكن لنا مراراً ثوب غياب أمهاتنا عنا، وأن هذا الثوب الوحيد الذي سيناسب مقاسات قلوبنا، والذي سيكون ثوباً من العري الخالص والنقي.

في الرحيل الكبير لم نكن نقبل أن نستمع للجدة الطاعنة في الحزن حين قالت: “سيكون المساء ناقصاً في البلاد الجديدة، في الغربة المنفى، في الدهشة ثم موتها السريع فيكم تماماً، في التحدي الزائف لأنفسكم، في البعد الكاذب والهروب الهارب منكم، الساخر من مناماتكم، من ضحكاتكم التي ستصعد منكم كأنها خارجة من تحت عجلات قطار سريع، من قلوبكم التي ستترك قلوبها هنا كي تطعم غيابكم خبز الحنين، سيكون المساء كاملاً إلا من نقصكم فيه، ستصير الغابات أرضاً للأشجار العارية المرعبة التي ستصير إبراً تخز كل مسام فيكم إبراً باردة طويلة ستكمل كل صباح رتقها لثوب السماء الممزق. كل الأماكن لن تقدر أن تكون سكناً لكم، ستسكنون فقط في المعنى، ومن يسكن في المعنى لا يمكن أن يغيره، من يسكن في المعنى سيبقى دائما مسجونا به”.

في الرحيل الكبير كان علينا أن نشد سحابات الحقائب بقلوب مقفلة، بملح تلاويح الوداع الأخيرة، وقد جففنا ملح دموعنا على خدودنا مقنعين عيوننا أنه لا حل لنا، لم يعد يسعنا هذا القبر/ الوطن، ولا بد من هذا الرحيل الكبير، حاولنا أن نترك في الحقائب مساحة صغيرة للشهداء كي يعيشوا حياةً كاملة وكي لا يكبروا كثيراً بغيابنا حسبنا وزن الحقائب وسندفع وزن الحياة الزائد فيها في كل مطار.

في الرحيل الكبير، الحقائب جاهزة، الطائرة ستقلع، وصوتها يعض قلوبنا ككلب. كل شيء في الحقائب مجهز ومعد، أقفال الحقائب جيدة ومتينة، ولن يسقط شيء من حقائبنا في الرحيل الكبير، لن يسقط أي شيء ماعدا نحن.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *