يمان دابقي/
عندما نتكلم عن كارثةٍ إنسانية مرتقبة لمصير 250 ألف مدني في مدينة حلب المحاصرة، فنحن لسنا بصدد الحديث عن إطلاق تحذيرات وبرقيات للدول المتكفلة بحقوق الإنسان لإحياء الضمير الميت فيها، فالكارثةُ حدثت فعلاً، منذ أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوائل شهر نوفمبر أن استمرار الحملة العسكرية على حلب غير مناسب في الوقت الحالي، معولاً على تعزيز الجهود الدولية لهدنة جديدة في حلب، وبالفعل عقيدة بوتين المرتبطة بإعادة عظمة روسيا الاتحادية كانت متربصة لامتصاص هجمة الفصائل العسكرية على حلب الغربية من جهة، وتخفيف احتقان دول المجتمع الغربي والأوروبي من جهة أخرى، وفي طرف ثالث هي فرصة لإعادة ترتيب الأهداف العسكرية مع وصول حاملة الطائرات ” الأميرال كوزنتسوف” إلى ساحل المتوسط المحملة بأحدث الصورايخ الارتجاجية والفراغية ومن غير المنطقي أمام كل هذه الحشود البحرية والبرية من آلاف المليشيات الإيرانية والعراقية ومليشيات حزب الله أنها أتت لمواجهة 300 مقاتل لجبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) المصنفة على قائمة الإرهاب فالموضوع يتخطى حدود حلب إلى نتيجة مفادها أن روسيا ستثبت وجودها في سوريا حتى إشعار آخر
الهدوء الذي ساد في مدينة حلب لمدة ثلاثة أيام فتح أبواب القيامة على ساكنيها وبالأخص عندما توقفت معركة فك الحصار في جزئها الثاني بظروف غامضة وانعكست سلباً على مصير المدنيين مع تقدم النظام واسترداده لكامل المناطق عن طريق سياسية الأرض المحروقة، ما أجبر الفصائل على التراجع والاكتفاء بحالة الصد.
لقد اعتمد بوتين في سياسته السورية على منطلق القوة منذ تدخله في 30 سبتمبر العام الماضي وحتى كتابة هذه السطور فمندوبها في الأمم المتحدة أُوكلت له مهمةً إنكار كل الواقع بكامل حيثياته مع التأكيد دوماً أن روسيا هي داعمة للسلام، بينما تتفّرد الطائرات الروسية بالسماء المستباحة لتعزز أكثر فأكثر فكرة الحسم العسكري، وما ساعد غطرسة الروس أكثر وصول الرئيس المنتخب “دونالد ترامب” للبيت الأبيض المعروف بميوله للرئيس بوتين في مواجهة الإرهاب ونأيه عن محاربة الأسد ما فتح الباب أكثر أمام عنجهية الروس للبدء في محرقة الإبادة في حلب في 16 من نوفمبر الحالي أعلنت روسيا عن حملة عسكرية على حي الوعر بحمص وريف إدلب الغربي مستثنية حلب “إعلامياً” وما حدث لم يكن مستغرباً من دولة تدعي السلام أن تستفرد وتستعرض كامل قوتها العسكرية في حلب باستنساخٍ مطابقٍ لما فعلته في غروزني الشيشانية والرسالة الموجهة لحلب إما الاستسلام أو الموت الجماعي للجميع.
عشرة أيامٍ مضت من الحرب العالمية على حلب نقلت مباشرة على مرأى ومسمع العالم حصدت أرواح أكثر من 350 من المحاصرين تحررت أرواحهم وفك عنهم الحصار بصعودها للسماء، مع تدمير آخر مستشفيين في حلب (عبد العزيز-البيان) فتصدرت حلب مواقع التواصل الاجتماعي بإطلاق هاشتاك من قبل الناشطين “حلب بلا مشافي”
لم تحرك صور المذبحة الحلبية “الأعنف منذ “2014” مشاعر الدول المقدسة لحقوق الإنسان، بل على العكس تحولت دول أعضاء مجلس الأمن إلى وسائل إعلام راحت تصف المشهد الحالي لحلب بكلمات دبلوماسية عبر عنها مسؤول في الأمم المتحدة (أن حلب تعيش لحظة حرجة جداً) بينما اعتبر مندوب روسيا للأم المتحدة في جلسة عقدت في 21 من نوفمبر الحالي أن جميع التقارير التي تتكلم عن استهداف روسيا للمشافي والمدنيين في حلب هي عبارة عن فبركات إعلامية لا صحة لها لتنتهي الجلسة التي تصدر عنوانها العريض “مناقشة وضع الإنساني في حلب” بمقترح للأمم المتحدة بعقد هدنة في حلب لمدة عشر أيام لوصول المساعدات الإنسانية وإخراج الجرحى والمصابين من داخل المدنية، وقرنت هذا المقترح بالتمني عبر استجداء روسيا والنظام بالموافقة للمقترح بينما كان أعلى سقف لهذه الجلسة تصويت على قرار ينص بمعاقبة 13 من ضباط النظام بتوجيه تهمة أنهم ممن أمروا باستهداف المدنيين بيدا أن قانون الاقتصاص هو للمستقبل البعيد وليس للقريب، تماماً كالقول المتهم بريء حتى تثبت إدانته ولا غريب أن يتم تكريمهم من قبل الأمم المتحدة على أدائهم المهمة على أكمل وجه كما كرّم بان كي مون بآخر عهده مندوب النظام بشار الجعفري
بينما يتركز الخطر الأكبر اليوم على حلب بمقترح ديمستورا بتفتيت حلب عن طريق تطبيق الإدارة الذاتية وهو مقترح ليس بجديد بل أعيد اليوم طرحه لإخراج مقاتلين جبهة فتح الشام من المدينة مع سلاحهم مقابل إدارة المدينة من قبل المدنيين إلا أن النظام رفض المقترح بعدما مالت كفة الميزان لصالحه فلم يعد يرضى بأنصاف الحلول بل يريد حلب بالقوة.
حلب اليوم تترقب مصير مجهول وثقافة الموت هي الشيء الوحيد المتداول بين لحظة وأخرى بين المدنيين، فأي حلب هذه التي عرت العالم كله وأسقطت كل المفاهيم هي بيضة القبان التي ستغير مسار الثورة السورية وقد تحدد مستقبل سوريا بكامله حدوده وإن كنا نعول على شيء أمام هذه المحرقة وحده الصمود المجبول بإرادة أهالي حلب هو من سيحسم ويحدد مصير المدينة التي لم يبقى منها إلا أشلاء الضحايا تحت الركام .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث