صدى الشام _ ميسون شقير/
في اليوم العالمي للوقوف ضد كل أشكال العنف التي تمارس على المرأة من يحمل عن المرأة السورية اليوم دمها؟ من يزيح عنها سقف بيتها الذي هوى عليها، من يعيد لها حبيبها الذي رحل إلى المقبرة، من يحمل معها في البحر كل هذا الملح.
أيها العالم الكاذب هل يمكن أن تنسى يوماً بأن المرأة السورية التي تموت الآن تحت التعذيب وتموت من الجوع كانت منذ أقدم العصور سيدة الحضارات البشرية الأولى وكانت برمزها الأسطوري رائدة بتحقيق ذاتها وإمكانياتها وبتعزيز قوة العطاء والحب التي تمتلكها، فالمرأة السورية هي عشتار، وهي فينوس وهي إنانا، وهي المرأة التي سكنت وشيّدت أقدم مدن العالم، وبيديها اكتشفت الزجاج وحملته للفينيقي كي يحمله مع اللون إلى كل العالم، وهي جوليا دومنا أفضل وأذكى امرأة حكمت الإمبراطورية الرومانية، وهي زنوبيا سيدة الصحراء، وهي صاحبة أعرق وأرقى المطابخ في العالم، وهي المرأة التي حاكت الدماسكينو، والمرأة التي وشحت بخيوط الذهب والفضة سماء دمشق مثلما طرزت ذاك الحرير.
هي ولادة بنت المستكفي وهي أم وأخت الثوار ضد العثمانيين والفرنسيين الذين غزوا سوريا. وقد التي جعلت سلطان الأطرش يُلقب بأخي “سمية” لما تميزت به ولما كان لها مكانة في مجتمعها، وهي أيضاً المرأة السورية التي أصبحت كاتبة أو صاحبة للصالونات الأدبية في فترة ما بعد الاستقلال فهي نازك العابد وكوليت خوري وغادة السمان وسنية الصالح، هي كل هذا وستبقى كل هذا حتى لو حولها هذا العالم النذل إلى أكثر امرأة قهراً في التاريخ الحديث.
تقيمون يوماً ضد العنف الموجه على المرأة، لكن هل تعرفون أن التاريخ لم يعرف مثل هذا الوجع الأنثوي الذي يفوق قدرة الأنوثة على التحمل، مثلما عرفه في هذه السنوات الخمس وأمام كاميرات كل العالم وعيونه، فمنذ استشهاد أول شهيد سلمي كان يحمل أحلامه وصوته فقط ويحمل قلب أمه معلقاً على خرزة زرقاء، سقط قلبها، فبرغم زغرودتها لكن قلبها كان يعرف أنه يود لو يكسر كل هذا العالم. ومن أول طفل قتل هناك في أقبية التعذيب تهشمت روحها، وكلما زُفّ شهيد كانت العاشقة تزف قلبها وأنوثتها للتراب، وكلما اعتقل شاب كان قلب أمه يتحول لكرة ترتطم في كل زوايا البيت والحياة، كرة لا تهدأ ولا يمكن أن تنام فكيف تنام وقلبها هناك تحت التعذيب، وأي تعذيب فوق كل احتمالات البشرية، وكانت أيضاً هي الناشطة الجميلة المعتقلة، والمرأة المتعلمة الملاحقة والمعتقلة، فهي طل الملوحي ومي اسكاف ويم مشهدي وريما فليحان وسمر كوكش وهند المجلي وهي الدكتورة هنادي الرفاعي التي لم تزل مع أطفالها الستة في السجون، وهي المرأة التي اغتصبت وعذبت كي ينتقموا بها من أولادها وزوجها.
هل تعرف أيها العالم المتحضر أن الدكتورة هنادي الرفاعي لم تزل هناك منذ أكثر من ثلاث سنين وكل صحافتك تعرف ذلك. أليس هذا عنفاً أيها العالم؟
ما الذي سيقوله هذا اليوم للمرأة السورية وهي المرأة التي حملت ما بقي من عائلتها ونزحت لتعيش ذلاً يكسر ظهر الجبال، وهي الأم التي ضمت أبناءها في البحر على ظهر ذاك القارب المطاطي الصغير الذي كان يصرخ من ثقل الأجساد والأحلام فوقه، وهي التي سقطت في البحر مع أطفالها وسط الموت المالح.
من يحمل عنها الآن أنوثتها، أمومتها، من يحمل عنها كل أيام السنة قبل أن يعطيها عيداً يتيماً ويهديها وروداً سوداء، من سيعيد للعاشقات نبضهن وليالي أحلامهن بيوم الزفاف، ومن سيعيد للأمهات قلوبهن من تحت التراب، الأمهات الأشباح اللواتي يسرن الآن ويعشن كي يكملهن وظيفتهن الأجمل لكنهن بلا قلب.
ومن سيعيد للمرأة التي تعيش تحت حكم الرايات السوداء والعقول العفنة بعض اللون، المرأة التي تباع وتشترى، من سيستطيع أن يخبرنا فقط أين سميرة خليل و رزان زيتونة، هذان الوجهان الأنثويان الأجمل في هذه الثورة اليتيمة، من يستطيع أن يعيدهما لنا كي نستطيع مرة ثانية أن نحيك أملاً من بقايانا الممزقة وكي نحتفل معكم في اليوم العالمي ضد العنف المسلط على المرأة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث