جريدة الحياة/
إذا كنت تعتقد بأن عشرات الملايين من المهاجرين المتدفّقين من بلدان العالم الثالث، هم الوجه المأسوي الوحيد لتعثّ الحداثة في بلدان الجنوب الفقيرة، فالأرجح أن تتأمل ملياً الرقم البليوني عن مرض ضغط الدم. ليس المهاجرون هم المأساة الوحيدة لدول حمل إليها الغرب الحداثة ومشروعها (بما فيها الهيمنة الكولونيالية)، لكنها ناءت بذلك الحمل، لأسباب كُتِبَ حولها الكثير، فصارت توصف بالفشل والتخلّف، وأحياناً يُلطّف الوصف إلى دول نامية وفقيرة وعالمثالثيّة وغيرها.
يشير الرقم البليوني لمرضى ضغط الدم الذي نشرته مجلة «ذي لانسيت» الطبية البريطانية أمس، إلى الواقع المتنافر والمأسوي الذي تعيشه الدول الفقيرة. فمن ناحية، ارتفعت فيها أعداد مرض غير وبائي ومرتبط بالتطور في أساليب الحياة اليومية، بمعنى العيش في المدن مع استقرار نسبي في إمدادات الغذاء وتوافر سبل المواصلات وزيادة الأعمال غير المعتمدة على الجهد البدني وحده وتزايد نسب التعليم وغيرها. لكن ذلك لم يترافق مع ما يكمله في أداء الدولة ومؤسساتها والمجتمع وبناه وثقافته وغيرها. مثلاً، نمت مدن العالم الثالث بالترافق مع هجرة مؤذية من الأرياف وتحطم الأنماط الراسخة في إنتاج الغذاء والسلع وتمزق شبكات الأمان الاجتماعي، إضافة إلى زيادة مذهلة في عدد السكان.
وباختصار، هناك دول «هجينة» تمتزج فيها الحداثة مع الفقر والتخلف والمرض، وهي عين المشكلات التي يُفترض أن تجد حلها في الحداثة! وللخروج من السوداوية، هناك دول عالمثالثية كثيرة نجحت في المؤالفة بين خصوصياتها وبين الحداثة، خصوصاً تلك التي تتوافر لها سبل واسعة للحصول على تمويل المؤسسات العامة.
ويعبّر وصول عدد المصابين بمرض ضغط الدم عن ذلك الوضع المتنافر إلى حدّ أن العلماء الذين نهضوا بأوسع دراسة عن الضغط في تاريخ الطب، لاحظوا انتقال ثقل المرض من الدول المتقدمة في الغرب، إلى دول فقيرة في العالم الثالث. وكذلك لفت العلماء إلى أن ضغط الدم ظل حتى الربع الأخير من القرن العشرين، يعتبر مرضاً «حضارياً» بمعنى ارتباطه بسبل العيش الرغدة التي ترتبط بالدول المتقدمة وتلك التي تتمتع برخاء اقتصادي. وبالضد من ذلك، تضاعف ذلك المرض عالمياً مع انتقال وطأته من الأثرياء إلى الفقراء، وفق الدراسة الواسعة التي حلّلت أرقام المرض في معظم الدول بين عامي 1975 و2015.
تزيد حدة المفارقة المأسوية مع ما تورده الدراسة عن تراجع المرض بقوة في البلدان الغنية، بفضل مزيج من ارتفاع مستوى الرعاية الصحية وانتشار الوعي بالمرض والإقبال على أنماط صحية في الحياة اليومية. وفي المقابل، تزايد المرض بشدة في أفريقيا وجنوب آسيا، مع ترجيح العلماء أن يكون ذلك مرتبطاً بسوء التغذية في الصغر. ويعتبر ذلك من المؤشرات البارزة إلى تدهور مستوى الحياة اليومية للناس، واضطراب شبكات الأمان العائلي، وغياب الرعاية الصحية الملائمة.
من ناحية ثانية، تثير الأرقام عينها سؤالاً عن أهمية الوعي الاجتماعي بأنماط الحياة الصحية. هناك شرائح من مرضى الضغط لا تتمثّل مشكلتها في الفقر، بل في عدم وجود وعي مناسب بالمرض. وعلى رغم معلومات تتدفق باستمرار عن أضرار انتشار أطعمة الـ «فاست فود» بأنواعها، لا تكف شرائح كثيرة عن استهلاكها، بل تهجر أنماطاً غذائية محلية تكون أفضل منها صحياً، على غرار المطبخ التقليدي لشعوب البحر المتوسط. وينطبق الأمر ذاته على البدانة التي باتت شبه وباء في بلدان عالمثالثية غير فقيرة، على رغم الوعي بعلاقاتها مع مجموعة من الأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم، مع ملاحظة أن الأخير يعتبر سبباً رئيسياً لأمراض القلب والأوعية الدموية وسكتات الدماغ. وتساهم تلك الأمراض في قرابة 7.5 مليون وفاة سنوياً في أرجاء المعمورة.
وأنجزت الدراسة بجهود علماء من «منظمة الصحة العالمية» تعاونوا مع فرق بحثية دولية، وشملت قياسات للضغط لقرابة 21 مليون شخص لمدة أربعة عقود، ما جعلها الأوسع في تاريخ الطب الحديث.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث