الرئيسية / رأي / هكذا خسرنا الحكمة

هكذا خسرنا الحكمة

صدى الشام _ ميسون شقير/

مذ وعت البشرية نفسها وبدأت بانتاج حضارتها، أوجدت مفهوم الآلهة وذلك لتثبيت رموز أخلاقية وفكرية، ولمواجهة الخوف من الظواهر الطبيعة التي تمتلك قوى أكبر بكثير من قوة البشر، وأيضاً من أجل التحايل على مفهوم المستقبل المجهول وإخماد هذا الرعب بمفهوم الآلهة ومفهوم تقديم الأضاحي اليها وتقديم الصلوات والدعاء وإقامة تماثيل كبيرة جداً تتوسط أماكن عبادة تزيد من القناعات المطلوبة بقوة هذه الآلهة.

من هذه الآلهة ذات المدلول الفكري العميق هي الآلهة “أثنيا “الإغريقية وهي التي تحولت إلى اسم “منيرفا” الشهير والذي يعني آلهة الحكمة عند الرومان، وآلهة الحمكة هذه في الميثولوجيا اليونانية ومن ثم الميثولوجيا الرومانية هي الآلهة المسؤولة عن العقل البشري وعن كل ما ينتجه وقد ابتدأت بكونها الآلهة الأنثى القادرة على غزل الصوف وصناعة المنسوجات وصناعة الطعام وأدواته بفطريتها الأنثوية العالية، وهي الآلهة المسؤولة عن قوة التحمل والتفكير والخلق والإبداع عند الانسان وعن قدرته على الإصرار على العمل الايجابي والاستفادة من كل ما حوله لإنجاز هذا العمل، وقد تحولت هذه الآلهة فيما بعد للآلهة المسؤولة عن حماية الكتاب والشعراء، وعن حماية الأطباء، بالإضافة إلى أنها دائماً المسؤولة عن حماية المرأة الأم القوية والحكيمة والمطاءة بعطاء لا حدود له.

منيرفا آلهة الحكمة العذراء والتي تقول الأساطير أنها ولدت كاملة كبيرة مدرعة من جبين الإله العظيم “جوبتير” وكانت طفلته المدللة، تماثيلها التي بقيت لحد الآن دائما كبيرة، وهي دائماً مدججة بالدروع التي تدل على عظمتها كما أنها تحمل دائماً على كتفها طائر البومة والذي تحول مثلها الى رمز الحكمة. وذلك لتعزيز حضور الأنثى ويالتالي تعزيز مفهوم الحياة التي تحملها في تركيبتها الخلقية ومرجعيتها التاريخية والحضارية والأسطورية.

إن المفهوم الدلالي العام لطائر البومة في منطقة الغرب، هذا الطائر الذي يحبذ الحياة وحده ولا يسعى للوجود في أماكن تعج بالبشر بعكس الكثير من الطيور وهو غالباً ما يعيش وحيداً وبشكل انفرادي وشبه انعزالي هو مفهوم عميق ومختلف تماماً عما نحمله نحن في وجداننا العربي من دلالات، اذ كتب الفيلسوف الألماني هيجل في مقدمة كتابه الشهير الذي أصدره عقب انهزام الديكتاتور نابليون، أن بومة منيرفا لا تطير إلا في الليل، وهذا المفهوم الفلسفي هو كناية عن أن حكمة منيرفا وحكمة الإنسان نفسه لا تعلن عن نفسها ولا تخرج منه وتحلق إلا عندما يستطيع أن يبقى قليلاً وحيداً مع نفسه أي عندما يستطيع أن يرى كل الأمور بشمولية وعندها يعرف كيف يعالجها ببعد النظر وبالعقل ومحاكماته الأبعد عن الانفعالات السريعة الهوجاء، كما أن هذه العبارة أيضا ترمز الى أن الحكمة فينا لا تظهر إلا في أشد الأوقات صعوبة وظلاماً وقسوة، ومفهوم هيجل هذا الذي يتبناه الغرب الآن في طريقة تعامله مع المدلول الرمزي لطائر البوم والذي يتجلى في وضع تماثيل البومة في البيوت وبارتداء أطواق وأسواور فيها البومة وخاصة للنساء مما يدل على القوة والحكمة في المرأة، وفي وجودها على كتف تماثيل منيرفا المتوزعة في أنحاء العالم.

لكن المفهوم الدلالي لآلهة الحكمة لدينا نحن العرب هو بكليته الآن مفهوم معاكس تماما للميثولوجيا التي كانت سائدة في منطقة بلاد الشام ووادي الرافدين والتي كانت تمجد عشتار وكل رموزها، نحن الآن نرفض أن تكون المرأة هي سيدة الحكمة بل على العكس نعتبرها أقل قدرة على المحاكمة العقلية وعلى إعطاء الآراء الصحيحة وهذا انعكس بكل تفاصيل حياتنا وحرمنا الحكمة الحقيقية، وكأنما لم نستطع أن نرى من العزلة غير الموت والخراب كأننا حكمنا على عقلنا دائماً بعدم القدرة على العودة لنفسه بكل هدوء ووعي وشمولية لنعلن سلطة الأحكام السريعة غير المدروسة على آلية تفكيرنا وردود أفعالنا، ولنخسر منيرفا وبومتها وقدسية الليل الطويل الذي نمر به دون أي أمل في الصباح.

 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *