الرئيسية / رأي / مازلنا نلحق الجزرة

مازلنا نلحق الجزرة

صدى الشام _ شاهيناز عطاالله/

 

قبل أيام كان موعد قبض الرواتب، تدافع وصراخ بأرقام التسلسل للمحاسبة، ثم فرحة عابرة لثوان عند رؤية الراتب، يليها دخول لكهف الأرقام المتراكمة من الأقساط والديون، ثم وفي نفس الساعة السؤال متى سيأتي الشهر القادم، هكذا ببساطة ينتهي يوم قبض الرواتب ليبدأ مسلسل الركض خلف أسباب الحياة، والبحث الدؤوب عن بدائل، لست بصدد كتابة مقال عن الفقر المدقع الذي وصلنا إليه، ولست بصدد كتابة مادة عن الحدود الدنيا لتكاليف الحياة شبه الكريمة أو أدنى منها بدرجات، لكن وبصفتي صديقة للعديد من العاملات طرحت سؤال على عدد منهن: بكم تقدرين مصروفكم الشهري كأسرة مكونة من ثلاث أو أربع أفراد، بعضهن خجلن من البوح لأن مستوى معيشتهن أقل بكثير من الحد الأدنى للحياة الكريمة وبعضهن أجاب بلا فواتير وطبابة وألبسة وأجور نقل حوالي المئة ألف وبعضهن أقل قليلاً أو أكثر قليلاً هذا ضمن إطار أسر لاتزال تسكن بيوتها لم تذق طعم النزوح، فكرت كثيراً بالعائلات التي جاءت كنزوح داخلي من حلب وإدلب والرقة وغيرها من المدن السورية هذه الأسر سيضاف إلى قائمة مصاريفها أجرة منزل وإصلاحه وإعادة بناء للحياة من درجة الصفر أو أقل بكثير، وبهذا يغدو الحد الأدنى لمصاريفها ما يقارب مئتي ألف ليرة، وعودة إلى الحد الأدنى المتخيل أي 100000 ليرة سورية كمصروف لعائلة صغيرة تذكرت أن أكثر الرواتب شيوعاً هو بحدود 45000 ليرة سورية فإذا كان الزوج والزوجة عاملين فدخلهما حوالي 90000 أي أقل بدرجات من الحد الأدنى للمعيشة بلا لباس وطبابة وفواتير وأجور نقل، هذا الحد 45000 للفئة التي مضى على توظيفها عشرين عاماً، أي أن العديد من الأسر الشابة لا تملك هذا الدخل، بعد سلسلة الهجرات المتكررة لا أعرف نسبة الفئة الشابة المتبقية، وهكذا دواليك تمضي أيامنا نحصي حجم التضخم المتنامي ونشهق بقوة، ثم ننتظر ذاك اليوم لنتدافع ونصرخ للمحاسبة بأرقام التسلسل الخاصة بنا، ثم نفرح لدقائق قبل أن ندخل كهف الأرقام لديوننا المتراكمة والمتعاظمة شهراً إثر شهر، وشهراً إثر شهر تزداد ثخانة عصا التضخم وأثرها على خاصراتنا ويقل حجم الجزرة التي نلهث وراءها وكأنها المنقذ لنا ، وضمن هذا التخيل لابد لنا أن نعيش بلا ألبسة وطبابة وفواتير ونقل بدخل أقل بكثير من الحد الأدنى للحياة شبه الكريمة ، وشاعت مؤخراً أخبار عن نية الحكومة رفع الدعم عن مادة الخبز، مقابل تعويض مادي يستخدم عوضاً عن البطاقات التموينية، وهذا الحل سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع سعر الخبز وبالتالي إلى ارتفاع الحد الأدنى المتخيل عن حاجة الأسرة السورية، بعض الدراسات الاقتصادية المتخصصة أعطت رقماً يمثل الحد الأدنى لحاجة الأسرة السورية وهو 270000 ليرة سورية أي نحن بحالة نقص في الدخل تعادل شهرياً 170000 ليرة سورية، ضمن إطار هذه الدراسات وضمن إطار هذا التخيل الخجول لما تتطلبه الأسرة السورية الصغيرة من تكاليف معيشة كحد أدنى، ضمن هذا التخيل الذي يبوح بأقل من نصف الحاجة الحقيقية الضرورية  لحياة كريمة تغدو الكرامة بأقصى درجات الانتهاك، إلا أننا نتوهم ترميمها باتكالنا على بعض المعونات الإنسانية نتدافع أيضاً للحصول عليها من مراكز لمنظمات ومؤسسات ارتأت حلول الترميم والعلاج المؤقت لا العلاج الجذري للأزمة، هكذا نحن ننتظر أول الشهر لنتدافع ونصرخ بأرقامنا ثم نقبض، نفرح لدقائق ونغوص في كهف أرقام عجزنا المتنامي ثم نتدافع على الإعانة والإغاثة ونسأل عن موعد قدوم الشهر الجديد، نعم مازلنا نتدافع ومازلنا نلحق الجزرة.

 

 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *