صدى الشام _ ميساء عموري/
من الطبيعي أن يُشكّل السوري المقيم منذ زمن طويل في ألمانيا مشروع سند ومساعد للاجئين السوريين الجدد، كما يجب أن يشكل مصدراً للأمان والمعلومة والمساعدة إن أمكن، وهذا ما يحدث عادة. لكن الواقع يعكس أحياناً قصصاً معاكسة تماماً، كأن يصبح اللاجئ الجديد صيداً ثميناً أو فريسة سهلة لبعض السوريين “القدامى”، مما يدفعهم لاستغلال جهل القادم الجديد أو سوء ظروفه.
أحمد خير الدين، شاب سوري في الثلاثين من عمره، قَدِم إلى ألمانيا منذ ما يزيد على سبعة عشر عاماً، وهو يعمل حالياً موظفاً في أحد فروع شركة فودافون للاتصالات في مدينة صغيرة تابعة لمدينة بيليفيلد الألمانية، بعد أن أتقن اللغة الألمانية بشكل ممتاز وأنهى دراسته في إدارة الأعمال.
يقول خير الدين أن عمله أعطاه فرصة التعرف على العديد من اللاجئين السوريين الجدد، والذين دخل بعضهم إلى مكتبه دون علم مسبق بأن من يعمل فيه سوري. لكن علامات الاطمئنان التي تظهر على وجه السوريين عندما يحدثهم فجأة بالعربية هي أكثر ما يسعده.
كما يؤكد خير الدين بشكل بسيط وعفوي أن كونه سوريا قد زاد من عدد رواد المكتب وزبائنه، وهو شيء لا ينكر خير الدين أنه عاد بالفائدة عليه لتحقيقه نسبة مبيعات أعلى من المعتاد. وقد صرح في حديث خاص بـ”صدى الشام”، بأن “الزبائن السوريين باتوا يروجون للمكتب دون قصد منهم، حيث أن مجرد وجود سوري في أي مكتب أو محل تجاري هو سبب لتوافد السوريين عليه”، مضيفاً: “لم أتردد يوما في مساعدة أحد منهم، وإرشاده إلى ما يجب عليه عمله في مجال اختصاصي أو في أي مجال آخر يحتاج المساعدة فيه. بالنتيجة نحن سوريون، ومن الطبيعي جداً أن نساعد بعضنا، خاصة مع ما يمر به اللاجئون من ظروف صعبة في بداية حياتهم في ألمانيا”.
حسنة المحمد، سورية لاجئة في ألمانيا منذ حوالي سنة، قالت لـ”صدى الشام”: “عندما دخلت مكتب فودافون لأحصل على خدمة اللإنترنت في منزلي الجديد وعلى خط هاتف ألماني كنت في غاية التلبك، لكن وجود موظف سوري سرعان ما أزاح عني الكثير من الضغط. طلبت مساعدته وقام بكل ما يلزم مع شرح كامل لكل خطوة. ولم يأخذ مني أي أجور إضافية، بل على العكس نصحني بما يجب عليّ فعله كي أخفف المصاريف عن عائلتي”.
حالة أحمد خير الدين تنطبق على العديد من السوريين “القدامى” في ألمانيا، والذين حسّن وجود السوريين من أعمالهم لكنهم لم يقوموا باستغلال القادمين الجدد بل بمساعدتهم وإرشادهم إلى ما يحتاجون، خاصة أصحاب المحلات التجارية أو المطاعم الشرقية التي ازداد عدد روادها بشكل كبير. وقد بات العديد منهم مرجعاً لكثير من اللاجئين السوريين للاستشارة المجانية وترجمة الأوراق والبريد القادم من “الجوب سنتر” المسؤول عن إعانتهم، أو أي جهة رسمية أخرى، وشرح ما يتوجب على اللاجئ فعله.
وبالمقابل، استغل عدد من السوريين المقيمين في ألمانيا منذ زمن طويل حاجة اللاجئين الجدد، وخاصة في مجال استئجار البيوت أو إيجاد عمل أحياناً.
باسل المحمود، لاجئ سوري في ألمانيا منذ حوالي سنتين، كان يقيم مع عائلته التي استقدمها عن طريق لم الشمل، في مدينة صغيرة بمقاطعة “نيدرزاكسن”، وهو يعمل في مجال الدهان والديكور، لكنه لم يجد عملا مناسبا في مدينته فقرر الانتقال إلى مدينة “كولن” حيث قبلت إحدى الشركات أوراقه ووافقت على عمله لديها.
واجه المحمود صعوبة بالغة في إيجاد سكن لعائلته في “كولن”، مما دفعه لدفع مبلغ كبير لسمسار عقارات سوري يعيش في تلك المدينة.
يقول المحمود في حديث لـ”صدى الشام”: “عانيت طويلاً حتى حصلت على عمل في كولن، لكن معاناتي الحقيقية بدأت مع البحث عن سكن مناسب لعائلتي. المدينة كبيرة جدا وهي مكتظة بالسكان”، ويتابع: “أعطاني أحد الأصدقاء رقم هاتف جوال لرجل يدعى “أو حسام”، وهو سوري موظف في إحدى الدوائر العقارية في كولن. اتصلت بـ”أبو حسام” وطلبت مساعدته، فكان رده سريعا وواضحا (الوضع صعب هذه الفترة، وهناك ضغط كبير على الشقق، لكنني أستطيع أن أجد طلبك إذا كنت على استعداد للدفع)، وعندما سألته عن المبلغ أجابني بأن “تحت يده” شقة قريبة من وسط المدينة لكن الحصول عليها يتطلب 3 آلاف يورو. وبعد “مكاسرة” بالسعر، وصل المبلغ إلى ألفي يورو، وهو ما دفعته فعلا لأحصل على الشقة”.
عند اتصالنا بـ”أبو حسام” وسؤاله أولا عن شقة لاستجراره بالكلام، ثم سؤاله عن مصير هذا المبلغ، أجابنا بلغة مليئة بالاحتيال: “لا يدخل يورو واحد منها إلى جيبي، هذا المبلغ يطلبه صاحب الشقة، وما أنا إلا وسيط لـ(مساعدة) السوريين”، وهو ما ليس صحيحا أبدا، حيث لا يأخذ أصحاب الشقق في ألمانيا أي مبالغ إضافية، وهو ما يحاسب عليه القانون الألماني.
تتكرر حالة أبو حسام وأمثاله كثيراً في المدن الألمانية الكبرى مثل برلين وكولن وهامبورغ وميونخ، وهي مدن يسعى العديد من السوريين إلى الانتقال إليها لتوفر فرص العمل بشكل كبير. لكن الكثيرين يرون أن تكرار هذه الحالات وانتشار ظاهرة السمسرة في البيوت بين السوريين “سببه السوريون أنفسهم”، حيث يشجع قبول البعض بشروط الإيجار مع دفع مبالغ غير رسمية على انتشار تلك الظاهرة، خاصة وأنه “من المستحيل أن يقبل أي ألماني بدفع يورو واحد في عمليات كهذه”، بحسب العديد ممن استطلعت “صدى الشام” آراءهم.
وبحسب سوزانا هيرمان، سيدة ألمانية تعمل في جمعية لمساعدة اللاجئين السوريين في مدينة بيليفيلد، “ربما يكون السوريون قد اعتادوا على تقبل الفساد والتعامل معه عند الضرورة، لكن ذلك لن يصب في صالحهم هنا، بل سيشجع من يستفيدون من هذا الفساد على انتشاره أكثر فأكثر. قد يكون الحل بإبلاغ السلطات عن هؤلاء الأشخاص لتتم ملاحقتهم ومعاقبتهم، فالتحفظ عليهم يحميهم ويؤذي أشخاصا أبرياء كل ذنبهم أنهم لا يعرفون المكان والأنظمة، وهم بحاجة للمساعدة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث