صدى الشام _ثائر الزعزوع /
تواصل ميلشيات “تنظيم آل الأسد” ومن لف لفها من ميلشيات طائفية تنوعت أشكالها ومسمياتها وتوحدت أغراضها، ومن خلفها قوات الاحتلال الروسي، تواصل عملها في تجفيف منابع الثورة وإفراغ المناطق وتهجير السكان في مسعى لرسم خارطة دويلة “سوريا المفيدة” التي تسعى روسيا لإقامتها، كما كشف عن ذلك وزير خارجية بريطانيا السابق، فيليب هاموند، بداية هذا العام، والتي هي بالأصل مشروع إيراني، وقد التقت مصالح موسكو وطهران ووجدتا القدرة على تنفيذ ذلك المشروع في ظل غياب كامل لأية جهة قادرة على لجم مساعيهما ومخططهما الكارثي الذي بدأ في حمص القديمة عام 2014 واستمر وصولاً إلى الزبداني وداريا ومن ثم الهامة وقدسيا حالياً.
ولن يتوقف المخطط حتى يتم إخلاء محيط دمشق بأكمله من أي وجود لكتائب الثوار أو قوات المعارضة على اختلاف مسمياتها وأهدافها، وهي متحاربة فيما بينها ولا يجمعها شيء ربما، سوى عدائها لتنظيم آل الأسد، وينص المشروع كما بات معلوماً على نفي الجميع وإيصالهم بطرق مريحة وسهلة باستخدام باصات مكيفة وهم يحملون أسلحتهم ويتم التقاط الصور التذكارية لهم إلى محافظة إدلب التي تحولت إلى ملاذ آمن، يتجمع فيها آلاف المنفيين من مختلف المحافظات والذين يجتمعون على معاداة تنظيم آل الأسد ويريدون إسقاطه ومن معه، لكنهم متروكون لا حول لهم ولا قوة يصبحون ويمسون على قصف روسي أسدي لا يهدأ، وتحكمهم على الأرض قوى متشددة تتولى إدارة مناطقهم وتجبرهم على الانصياع لأوامرها فور وصولهم، ولا مانع من انضمام من يرغب من المقاتلين إلى صفوفها كي تزداد عدداً في مواجهة خصومها في المصلحة إخوتها في المنهج.
وفي ظل عدم وجود أرقام دقيقة لعدد سكان محافظة إدلب في الوقت الحالي، إلا أن شهادات المواطنين تؤكد أن المحافظة المنسيّة صارت تضم ضعفي عدد ساكنيها قبل الثورة وقد تحولت فعلياً إلى محافظة مكتظة بالسكان، فلم يعد الأمر مقتصراً على البيوت بل إن حقولاً تم استثمار أجزاء منها لتقام فيها مخيمات عشوائية بداية لن تلبث أن تأخذ شكل الاستقرار والثبات، لتكون مجتمعات جديدة من المنفيين الذين لن يلبثوا بدورهم ليصبحوا واقع حال، وقد تتشكل قرى في أماكن تلك المخيمات، وقد تأخذ مسميات وتبدأ شيئاً فشيئاً بإيجاد حياة اجتماعية تتآلف مع المحيط فتؤثر فيه وتتأثر به.
هُجّر عشرات الآلاف من المناطق الشرقية على يد تنظيم “داعش” الذي ارتكب عشرات المجازر كي يدفع الناس للهرب فهرعوا باتجاه الحدود التركية، لكن الحدود أغلقت في وجوه الكثيرين منهم، فثبتوا في الأرض التي وصلوا إليها، على أمل أن يتمكنوا من عبور الحدود، لكن انتظارهم طال، فلم يجدوا بداً من البحث عن وسيلة للبقاء وقد استقروا فعلاً، ومع اشتداد المعارك على حلب وريفها، لاذ عشرات الآلاف أيضاً بالفرار، كانت إدلب ملاذهم أيضاً، ولا شك أن الخطة الروسية لو تم اعتمادها في مجلس الأمن كانت ستفتح بدورها المجال لمن يرغب بالخروج للتوجه إلى إدلب فقط، ولن يكون مسموحاً الذهاب إلى أي مكان آخر.
الظروف المأساوية التي تعيشها تلك المجتمعات المنفية تزداد بؤساً مع اقتراب فصل الشتاء، مؤسسات الإغاثة والعمل الخيري تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى جميع المنفيين لمساعدتهم، الأفكار الإنسانية تصطدم في كثير من الأحيان بضراوة القصف الروسي الأسدي، ولم تعد أرض الزيتون قادرة على إطعام ساكنيها الكثر.
تتصارع الفصائل فيما بينها على مناطق النفوذ ومناطق السيادة وعلى الغنائم، وليس هناك قيادة سياسية تعمل على الأرض لتوحيد الجهود وإدارة المعركة الديمغرافية بحنكة، بل قد تكون تلك المعركة غائبة عن الأذهان، وهي إنما تنفع للتسويق الإعلامي لا أكثر، وسيتوقف الحديث عنها عندما تظهر قصة جديدة تكون مطلوبة أكثر لدى القنوات الفضائية، ووكالات الأنباء العالمية، فيما إدلب تأخذ شكل دويلة صغيرة تضم منفيين مشردين كان يجمعهم حلم حرية، بات يعتبره الكثيرون كابوساً لكثرة ما جلب من مآسٍ وآلام.
يبدو هذا الحديث جالباً للتشاؤم، لكن إذا أخذناه من زاوية أخرى فقد يكون مصدر قوة، لم لا؟ فإدلب التي أرهقت النظام بصمودها قادرة على توحيد أولئك المشتتين وتشكيل جيش بعيد عن الفتاوى وقريب من حلم السوريين، قبل أن يأتي يوم نرى فيه تلك اللافتة معلقة على مدخل مدينة إدلب لترحب بالقادمين إليها “أهلاً بكم في جمهورية إدلب المستقلة”.
وهو مشروع لن نلبث طويلاً قبل أن نسمع بعض “أصدقاء الشعب السوري” يدعوننا إليه كي يتوقف نزيف الدماء، وتنتهي هذه الحرب المجنونة، وعندها فقط يستطيع تنظيم “آل الأسد” أن يعلن انتصاره على ثورة السوريين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث