صدى الشام _ميسون شقير/
ربما لن تستطيع البشرية يوما أن تصل بكل ثقافتها وجوائزها المفتعلة إلى ما وصلت إليه قلوبكم من قدرة على تقديم الذات من أجل إنقاذ الآخر، وربما في اليوم الذي ستستطيع البشرية أن تصل إلى هذا التطور الإنساني والأخلاقي المطلق ستستطيع أن تحمي نفسها من نفسها، وربما ستسطيع أن تبني عالما أرحب.
وربما نحن أيضاً، كلنا نحن الذين خرجنا نجر خلفنا بلاداً كسرتنا ووزعت شظايانا على خارطة هذا العالم، لعلنا نتعلم الجغرافية والتاريخ أكثر، ربما نحن أيضاً الذي كسرت البلاد نفسها فينا وتركت زجاجها المكسور في أرواحنا يجرحنا كلما تحركنا، وكلما أردنا أن نحاول الحياة، الحياة الكاذبة خارجها، ربما نحن أيضاً لم ولن نستطيع أن نصل إلى نبل قلوبكم ولم نستطع أن نقدم لكم بعضاً قليلاً مما يجب علينا أن نفعله. فحن أيضاً كالضحايا الذين تنتشلونهم من تحت الركام، نحن لم نزل تحت ركام أحلامنا نختنق بغبار ذكرياتنا المحطمة وبغبار الهواء النظيف جدا في هذي البلاد. لذا فالبرغم من نجاحاتنا المصطنعة، أصبحنا أناساً عاجزين، ولا أسباب حقيقية كافية تبرر عجزنا، لكننا لم نعد نحن فاغفروا لنا اختناقنا، واستمروا كي تنقذنا مشاهدكم وأنتم تنتشلون الحياة، علكم يا أنبل الناس، تنتشلوننا.
يا أنبل الناس، إن كل بسمة لطفل أنقذته أيديكم هي أصدق من ألف جائزة لنوبل، كل دمعة من عيون أب حين دخلتم تبحثون تحت ركام منزله عن أبنائه هي أنبل من كل ما قدمته البشرية من جوائز، إن أصابعكم التي تنتشل الحياة من بين أنياب الموت هي وحدها التي تكتب التاريخ الحقيقي لهذه الإنسانية البائسة.
يا أجمل الناس، لم تكونوا يوماً كي يمن عليكم هذا العالم المنخور بجائزة أو تسمية، لم تكونوا يوما كي تتصدروا شاشات التلفاز وواجهات الأخبار في العالم، ولم تكونوا كي تنتظروا من يشكركم. كنتم لأن البراميل التي يلقي بها العالم كانت محشوة بالموت، والموت العبثي هذا لا يعرف ما الذي تخبئه ضحكة صغير، ولا يعرف ما تعنيه شهقة أم. كنتم لأنكم معجونون من تراب هذي البلاد ومن قلوب ناسها، ولأنكم لا تستطيعون إلا أن تكونوا أوفياء لهذا التراب ولهذه القلوب. وكنتم لأن الدم السوري الذي لم يزل يجري في عروقكم هو دم أقدم حضارة على وجه هذه الأرض، وهو الحامل لكل الإرث الأخلاقي الذي تناقلته هذه الدماء من زمن لزمن. وكنتم لأن هذه الدماء تطرش الآن وجه العالم الأعمى. لذا، فنوبل القادمة من تكفير صانع الديناميت عن ذنب ربما لم يقصده، لن تستطيع أن تضيف لكم شيئا، فلا يستطيع الصغير مهما كان أن يضيف للعظيم أي شيء يستحق الذكر، ونوبل التي يبرر بها كل عام أصابع الديناميت والتي قدمت يوما للصهوني اسحاق رابين ولشمعون بيريز وقدمت لأوباما، هي جائزة برغم كل قيمتها والإعلام المحيط بها، هي جائزة محشوة بالديناميت الذي حاول الفريد نوبل التكفير عنه، وهي ككل مقايس القوة في هذا العالم تخضع لمصالح المؤسسين لها والدافعين لاستمرارها، وهي لن تنحاز اليوم للدم السوري الذي عبر البحر ووصل إلى عيون العالم أحمرا نقيا طازجا وكاملا بكل كرياته البيض والحمر، وبكريات جديدة هي كريات الكبرياء التي لم يكتشفها الطب الحديث.
كنا يا أغلى الناس نتمنى أن تنصف البشرية نفسها حين تنصفكم، وأن تحاول نوبل أن تحسن صورتها وأن تعطي نفسها بعض المصداقية مثلما حصلت حين أعطت جائزتها لمارتن لوثر كينغ وللأم تيريزا، لكنه لم يحن بعد وقت تحسين الصور.
يا أصحاب القبعات البيض ..خذوا قلوبنا وسامحونا، يا رجال القلوب البيضاء، خذوا إحساسنا العاجز أمام عيونكم وسامحونا، خذوا ما أردتم منا واتركوا لنا بعضاً منكم على ملامحنا، وبعضاً من دمائكم على أسمائنا، خذوا كل ما قلناه وما كتبناه نحن الذين شردنا هذا الموت المستوطن في بلادنا وقتلنا هذا الرعب الذي لا يموت.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث