الرئيسية / رأي / أوطان ملعونة 1

أوطان ملعونة 1

تواجهنا نحن المشردين في جهات الأرض الأربع، أسئلة مصيرية عن معنى كلمة
وطن، تلك الكلمة التي حملناها ثقيلة على كواهلنا دون أن نعلم ماهيتها أو طرق
استخدامها، ولم نفكر فيها كثيراً من قبل، ربما بسبب عدم حاجتنا لاستخدامها. صحيح
أنها كانت مفردة يومية مقررة في كل برامجنا المدرسية والإعلامية وحتى البرامج التي
تتحدث عن الرياضة والطبخ، إلا أنها ظلت كلمة مجردة بلا تفاصيل حقيقية، حتى بدأت
الثورة وبدأ ذلك الصراع المستقبلي على إعادة صياغة الوطن، وبدأ طرح الأسئلة الخاصة
والعامة عن شكل ومضمون وغاية الوطن الذي نحلم بصناعته مستقبلاً، لأن الوطن، كما
تبين لنا لاحقاً، ليس وصفة جاهزة، وهو بطبيعة الحال ليس مادة مستوردة، هو إنتاج
تراكمي من المعارف والخبرات والويلات والتواريخ، وهو نتاج صراع طبقي وثقافي وديني،
يتشكل بالضرورة نتيجة الحاجة، وقد يستمر ويتطور أو يعاني الركود والاضمحلال وصولاً
إلى أن يكون فاشلاً ومهلهلاً، وغير قادر على التقدم فيصير عبئاً ثقيلاً، لا يمكن
التخلص منه، لكن يمكن بشكل أو بآخر إنقاذه من خلال حراك حقيقي وإرادة جادة. وقد
مرت الأمم أو الأوطان على مر تاريخها بمراحل وصلت فيها إلى الحضيض ثم صعدت مرة
أخرى، وهي سيرورة لا بد منها، تشبه إلى حد ما حياة الإنسان نفسه، لكن الحكاية
التاريخية العاطفية تقول إن الأوطان لا تموت، لكنها تبعث من رمادها لتنهض من
جديد…

أسئلة الوطن ومعناه لا تقتصر على طبقة دون أخرى ولا على سوري دون آخر،
تلك حقيقة ينبغي التعامل معها بحذر، لأن ثمة نزعة إقصائية إلغائية تصاعدت منذ
الأيام الأولى للثورة، وقد روج لها النظام أولاً، حين اعتبر كل مختلف معه خائناً،
أو لا وطنياً، فيما صنف المصطفون في خندقه في خانة الوطنية، أي أصحاب الوطن. وهي
فكرة لم تلبث أن انتقلت إلى الضفة الأخرى أي إلى صفوف المعارضة لتعلو أصوات
الكثيرين، قائلة إن العلويين المصطفين مع النظام هم ليسوا سوريين، بل وذهاباً أبعد
من ذلك فإن كل من لم يناصر الثورة أو يقف معها هو ليس سورياً، وبالنتيجة فهو ليس
وطنياً، هكذا بكل بساطة.

ولأن سوريا مرت على مدى عقود بحالة من الركود على كافة المستويات، فإن
فكرة الوطن بحد ذاتها تعرضت للكثير من التشويه والتهميش حتى تحولت مع الأيام إلى
حالة كوميدية ترتبط على الغالب بفئة مستفيدة من النظام الحاكم ترى فيه وطنها
وملاذها الأمين، فيما يبحث اللاوطنيون، عن وطنهم في التفاصيل الصغيرة التي ما
زالوا حتى يومنا هذا يستذكرونها، فلا مانع والحالة هذه أن يكون الوطن “نفس
أركيلة في مقهى النوفرة”، وهل ثمة كوميديا أكثر من هذا!

وإذا كنا قد انقسمنا إلى قسمين منذ اليوم الأول للثورة فاختار بعضنا أن
يصير متمرداً، ويفقد وطنيته التي هي امتياز يمنحه النظام، واختار بعضنا الآخر أن
يبقى وطنياً مخلصاً، مستعداً للتضحية بكل ما يملك في سبيل بقاء الوطن، ستتطور
الحالة لاحقاً لتصير “فداء حذاء السيد الرئيس”، فإن ذلك الانقسام خلق
وطنين في داخل كل واحد منا. ربما لم نفكر في الأمر كثيراً بهذه الصيغة المعقدة
بسبب انشغالنا بمتابعة الأخبار، وانتظارنا الخلاص، لكن منذ الأيام الأولى صرنا “نحن”
و”هم”. ولكن هل يستطيع وطن أن يستوعب هذا التناقض وهذه الكراهية؟
الإجابة ببساطة هي نعم، شريطة أن يكون الجميع متفقين على تعريف الوطن، بأنه تلك
المساحة الجغرافية التي تضمن الحقوق لكافة أبنائه بالتساوي دون التفريق بينهم بسبب
الدين أو الانتماء السياسي أو اللون أو القومية، نعم حتى القومية، ولا يستغرب أحد
ذلك.

الوطن بكل بساطة ودون تعقيدات، هو ذلك الخليط. لا
يمكن لأحد أن ينزع عنك انتماءك له، كما لا يمكنك أن تنزع ذلك الانتماء عن أحد مهما
بلغ إجرامه، لا يمكن لسوري أن يصبح شيئاً آخر غير سوري، مهما سافر وابتعد وحصل على
جنسيات، بل حتى وإن لم يعش في سوريا، مشكلة الوطن أنه انتماء إجباري لا اختياري،
فقد تختار طواعية أن تتخلى عن جنسيتك، وتحصل على جنسية أخرى، لكن هذا لا يعفيك من
كونك سورياً… بالمناسبة حتى بشار الأسد هو سوري. ولا يمكن أن ننكر هذه الحقيقة
مهما كانت مؤلمة لنا. وعلينا أن نتعامل مع هذه الحقيقة ولا ننكرها، لأن علينا
التفكير بوطن مختلف يضم الخونة والوطنيين…

وللحديث بقية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *