سعى تنظيم الدولة الإسلامية منذ
سيطرته على أرجاء واسعة من سورية، إلى ترسيخ دولة الخلافة كي يضمن استقدام أكبر
عدد ممكن من المؤيدين لفكره، وليتخذ من مدينة الرقة عاصمة لدولة خلافته وينشئ فيها
المعتقلات، ويزج في السجون بكل من يخالف عقيدته فكراً تحت ذريعة مخالفة شريعة
الله، ولينشئ محاكم شرعية له ويطبق عقوبات صارمة بحق المعتقلين ويمارس بحقهم أبشع
أساليب التعذيب، والتي فاقت ما يقوم به النظام الأسدي في سجونه.
صدى الشام – عدنان كدم
صرخة حق
أطلقالناشطون في مدينة الرقة الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية حملة #صرخة _من _الرقة لفضح ممارسات التنظيم بحق المدنيين والثوار، ونقل
الصورة الحقيقية لما يحدث داخل أروقة سجون ومعتقلات التنظيم، التي فاقت حسب وصفهم،
ما قام به نظام الأسد ضد معارضيه. وقد حفّز اعتماد
الثورة السورية على مواقع التواصل الاجتماعي في نشر أخبارها، ناشطو الحملة على
اتخاذ ذات الطريقة، ونشر ممارسات التنظيم الجائرة بحق الأفراد والمجتمع. حيث نقل
الناشطون في حملة صرخة من الرقة، ما يدور في سجون التنظيم من تعذيب وتنكيل
وممارسات شنيعة بحق المدنيين الذين وقع معظمهم ضحية افتراءات كاذبة لفقها لهم قادة
التنظيم وأمراؤه، تحت مسميات عديدة يُنسب معظمها إلى شريعة الإسلام وكتابه ورسوله
الكريم.
انتهاكات صريحة
يواصل “تنظيم الدولة الإسلامية” ارتكاب
الانتهاكات بحق المدنيين في مناطق سيطرته منذ بداية تواجده على الأراضي السورية،
ووفقا لحملة “صرخة من الرقة”، فقد شملت الانتهاكات التي مارسها التنظيم
عدداً كبير من المجالات، حيث شملت انتهاكات واسعة بحق النشطاء المدنيين، والقيادات
والنشطاء العسكريين في كتائب المعارضة، بالإضافة إلى انتهاكات بحقوق المرأة والطفل.
ووفقا لمحمد أبو إسلام، أحد أعضاء فريق الحملة، والذي التقى بمعتقل سابق لدى التنظيم،
فإن “تعذيب التنظيم يوازي ما تقوم به فروع النظام الأسدية من تعذيب للمعتقلين،
وقد يكون أبشع في بعض الأحيان. لقد كانت آثار التعذيب واضحة على جسم الشاب؛ جسده
ملطخ بالعلامات الزرقاء. لقد تم تعذيبه بشكل مرعب”.
زنزانات انفرادية
يضع التنظيم معتقليه في أماكن ضيقة كوسيلة من وسائل
التعذيب، بحيث يشعر المعتقل أنه في قبر وليس في سجن. هذا ما أكده أبو إسلام
قائلاً:
“لقد أخبرني السجينعن وجود مئات المعتقلين،
الذين يوضعون في زنزانات انفرادية لا يزيد طولها عن مترين بعرض متر واحد، وفي
نهايتها مرحاض. حتى أنهم يضعون أكثر من سجين في منفردة واحدةبعد تعذيبهم
بأبشع الطرق”.
وينقل عضو حملة “صرخة من الرقة”عن
السجين، قائلاً: “يتمتوزيع وجبة واحدة في اليوم على السجناء العاديين،
في حين يوزّع على أصحاب التهم الخطيرة نصف وجبة فقط، وأحيانا لا وجبات لهم”.
وعن أنواع التعذيب داخل السجون أوضح قائلاً: “يقوم
عناصر التنظيم بتعذيب المعتقل من خلال طريقة تسمى “الشبح” حيث يوضع السجين
مشبوحا لمدة قد تصل إلى عشرة أيام، ويوسعوه ضرباً شديداً من قبل شباب يافعين، في
أسلوب لا يختلف عن الأساليب التي يمارسها النظام بحق المدنيين المعتقلين لديه،وقد
رأيت بأم عيني رجالا يتقيئون على أنفسهم، ويتكلمون وتهتز أجسادهم دون وعي جراء هذه
العقوبة البشعة”.
وختم السجين حديثه قائلا: “عندما يخيم علينا
الليل نحس به، ليأتي السجانون اليافعون وجلهم من الصغار حديثيّ السن، ويشغلون
مقاطع الفيديو التي تحوي على أناشيد وإصدارات التنظيم، من حرق وذبح وإغراق من
يسمونهم بالجواسيس والمرتدين والكفار، ويقولون لنا سيأتي دوركم قريباً لمثل هذا،
ويقصدون الإعدام، إلى أن جاء فرج الله عليَّ، وخرجت من سجنهم لأستذكر الآن ما تعرضت
له عندهم، وأقارنه بما حدث لي في اعتقالي الأول ببداية الثورة السورية، في معتقلات قوات
النظام”.
أبشع من سجون البعث
حاول التنظيم منذ سيطرته على مدينة الرقة، اتخاذها عاصمة لدولة الخلافة
المزعومة، نظراً لموقعها الاستراتيجي بين الشام والعراق. لذلك سعى جاهداً لجعل
الإدارة المركزية فيها من حيث السجون والمعتقلات، ليستفيد من التجربة الأمنية للنظامي
الأسدي والعراقي السابق في طريقة انتقاء الأماكن واختياره السجون لمعتقليه.
بالإضافة إلى السجون والمعتقلات المعروفة، يمتلك التنظيم
سجونا سرية لا تخضع لسلطة القضاء، ولا أحد يعلم بمكانها.
وقد أكد ماهر الرقاوي، من حملة “صرخة من الرقة” في تصريح لـ”صدى
الشام”، “وجود السجن في النقطة “11” في قبو الملعب البلدي
بمدينة الرقة، ويشمل الجنح والجنايات، وفيه سجناء مدنيون وهم تحت إشراف المحكمة الإسلامية.
كما يوجد هناك مراكز للتوقيف المؤقت في ديوان الحسبة، وهو يشمل المخالفات، حيث تكون
فترة توقيف المعتقل عادة، عدة أيام أو عدة ساعات. وهنالك سجون سرية ﻻ أحد يعلم أماكنها،
وهي تحت إشراف عناصر أمنية في التنظيم، ولا تخضع لسلطة القضاء، ونزﻻء هذه السجون هم
معارضو التنظيم السياسيون والعسكريون والإعلاميون”.
وأوضح الرقاوي قائلاً: “طبعاً عدد المساجين غير معلوم، ومن الطبيعي في السجن
الأمني أن يكون السجانون ملثمين. لكن في السجن المدني، أغلبية السجانين غير ملثمين،
ولكن يتم تعصيب عيون المعتقل أثناء التحقيق معه كي ﻻ يتعرف على هوية المحققين”.
مبانٍ حكوميةٍ للاعتقال
استثمر التنظيم كل المباني الحكومية التي كانت تابعة لمدينة الرقة إثر السيطرة
عليها في شهر آب من العام الفائت، وحّول العديد منها إلى معتقلات وسجون يوضع فيها
المعتقلون.
يعتبر التنظيم من أتم 16 عاما بالغا يجب أن تطبّق عليه
كل أنواع الحدود والقصاص.
وقد كشف الرقاوي في تصريح لـ”صدى الشام”، عن ماهية المعتقلات التي
يديرها التنظيم في مدينة الرقة قائلاً: “عمد التنظيم منذ النصف الثاني من عام
2013، إلى توقيف جميع السجناء في أقبية بناء المحافظة، وأسفل سد البعث الواقع غربي
الرقة بمسافة 25 كم. وفي بداية عام 2014، اتخذ التنظيم بناء الجنائية مركزاً
لتوقيف السجناء، وهو معروف بالنقطة 11. وبعد تعرض الموقع لقصف طيران النظام لعدة
مرات، نقل التنظيم السجناء إلى أقبية الملعب البلدي، وهي ذاتها النقطة 11. طبعاً التوقيف
يتم بشكل عشوائي في أغلب الأحيان، وليس هنالك شي اسمه مذكرة توقيف، وهنالك معتقلون
من الأطفال والقاصرين، إضافة إلى قسم خاص لسجن النساء، ﻷن التنظيم يعتبر من أتم 16
سنة بالغاً وعليه تنطبق الحدود والقصاص العادل في حال ارتكب مخالفةً تستوجب القصاص
والسجن”.
اعتقال للثوار
سعى التنظيم منذ انتشاره السريع في محافظة الرقة، إلى اعتقال القادة الثوريين
من نشطاء وعسكريين في الجيش الحر، الذي يعود لهم الفضل في الحراك الثوري وتحرير أغلب
مناطق محافظة الرقة من سيطرة نظام الأسد.
وقد نوه مازن الرقاوي من فريق حملة “صرخة من الرقة”، إلى ذلك قائلاً:
“من بين المعتقلين، هناك المحامي عبد الله الخليل، وهو معروف للجميع، وقد كان
رئيس المجلس المحلي لمحافظة الرقة. كذلك يوجد أبو طيف، قائد لواء أمناء الرقة، والذي
يعود له الفضل الأكبر في تحرير الرقة والمحافظة على مؤسساتها، وأيضاً الكاهن
الإيطالي الأب باولو. لكننا لا نعلم أن كانوا ﻻزالوا أحياء أم تمت تصفيتهم”.
وتابع الرقاوي قائلاً: “أما بالنسبة لسجن الأوزبك، فلا توجد أية معلومات
عنه، باعتبار التنظيم يشدد الرقابة السرية عليه ولا يعلم بوجوده سوى القادة الكبار.
إلا أن الترجيحات تشير إلى وجوده في مدينة الطبقة، المليئة بعناصر التنظيم المنحدرين
من أصول أوزبكية. حيث يقال إن سجن الأوزبك موجود بالطبقة وبحراسة وخدمة أوزبكية،
ولكن لا تفاصيل لدينا”.
قرارات عشوائية
باعتبار أن أغلب الذين أوكلوا بمهمة القضاء لا يمتلكون المؤهلات والخبرة
القانونية اللازمة ليتمكنوا من إدارة أمور القضاء، فإنه من البديهي أن تكون كافة القرارات
الصادرة عنهم غير صائبة. فالتنظيم ومن خلال العديد من الشهادات، لطالما اتُهم
بعشوائية قراراته المتخذة في القضايا المعروضة بين يديه. وبحسب الناشط “ماهر
احمد”، فقد كشف أحد المحامين، والذي طلب عدم الكسف عن اسمه، الفشل في إدارة
المحاكمات قائلاً: “بسبب قلة القضاة يوجد ضغط هائل على المحكمة، حيث هنالك
قضايا كثيرة وهنالك تأخير في مواعيد المحاكمات والجلسات وفي الفصل بالقضايا. كما
ساهم ضيق الوقت في سوء المعاملة مع المتقاضين، وعدم منحهم الوقت الكافي لطرح وجهات
نظرهم، ما أدى ويؤدي إلى إصدار الكثير من الأحكام على خلاف ما يجب أن تكون عليه.
وهنالك أحكام جائرة تصدر من الموظفين أو مساعدي القضاة، كالحجز المؤقت على
العقارات لمجرد ورود معلومات من مكتب العقارات إلى المحكمة، للمطالبة بمصادرة عقار
جراء وشاية وافتراءات كاذبة ملفقة على صاحب العقار، بحجة أنه مرتد أو مسافر إلى
بلاد الكفر، أو تحت أية ذريعة أخرى، ليتم إصدار قرار من الموظفين بالحجز دون
مراجعة القاضي، ويتم وضع اليد على العقار، فيما يقع المتضرر بمأزق كبير وعليه
الدوام في المحكمة لشهور حتى يتمكن من إلغاء الحجز المؤقت إن استطاع إلى ذلك
سبيلا”.
ويتابع الناشط حديثه قائلاً: “يتم تحديد الساعة 9 صباحاً موعدا للجلسة،
ولكن المتقاضي ربما ينتظر إلى الساعة 5 مساءً، وﻻ يحالفه الحظ بالدخول لغرفة
القاضي. طبعاً يستثنى عناصر التنظيم من الدور الروتيني القاتل، ويحق لهم الدخول في
أي وقت يشاؤون”. ولفت الناشط قائلاً: “دائماً يرفع التنظيم شعار الحكم
الإسلامي بشرع الله العادل، ولكنه لا يرتقي لمستوى الشعار الذي يرفعه، ما ضاق بنا
ذرعاً من ممارساته الهمجية”.
سحب للدم والأعضاء
لم يكتف التنظيم بتعذيب سجنائه بل استخدمهم لسحب الدم وأخذ
أعضاء من أجسادهم، وفق ما ذكره أبو رضا، أحد المعتقلين في بناء أمن الدولة سابقاً،
والذي يتخذه التنظيم سجناً حالياً. وقد بيّن أبو رضا عبر ناشطين من داخل الرقة،
أنه “استطاع الهرب إلى مكان آمن بعد قصف التحالف للبناء في نهاية شهر أيلول
من هذا العام”.
يقدم التنظيم للمعتقلين ذوي
البنية القوية عناية صحية خاصة، وذلك لاستخدامهم كبنوك دم، أو مصادر للأعضاء
البشرية عند الحاجة.
وأوضح أبو رضا قائلا: “طُبقت علينا جميع أنواع
التعذيب. كانت التهم مختلفة، فبعضنا كان متهما بسبّ الذات الإلهية وإسقاط مشروع
دولة الإسلام، وآخرون بانتمائهم للجيش الحر. كان التعذيب مستمراً طوال اليوم ولا
وقت محدد له، لكنه لا يمارس على الجميع، فبعض المعتقلين ممن يمتلكون جسداً قوياً
وسليماً، لم يكن التنظيم يعذبهم بل كان يعتني بهم عناية صحية خاصة، كونه يستخدمهم
كبنوك للدم، يسحب منهم عند الحاجة أو عند إصابة عناصره، كما كان يبحث عن بعض زمر
الدم النادرة”.
وتابع قائلاً: “لم يتوقف الأمر على سحب الدم
من هؤلاء، بل تعدى ذلك إلى مراحل أخطر بكثير. فهنالك بعض العمليات الجراحية التي
أجراها التنظيم ونقل بها أعضاء مثل الكلى وقرنية العين من معتقلين لديه إلى عناصره،
بحجة أن هؤلاء المعتقلين مصيرهم الموت المحتم وعناصر التنظيم أحق بتلك الأعضاء”.
ضباط سابقين
“بعد سقوط نظام الرئيس
العراقي السابق صدام حسين، هرب أغلب الضباط السنة خوفاً على حياتهم من التصفية على
يد الميلشيات الشيعية العراقية، بدعم من المخابرات الإيرانية التي أصبحت تصول
وتجول في العراق دون رقيب أو حسيب، فوجد هؤلاء الضباط في التنظيم الملاذ الآمن،
والذي يحقق رغباتهم، فانضموا إليه، لتتكون نواة أمنية من الضباط العراقيين”،
هذا ما أوضحه المحلل السياسي علي الأحمد
إن الخطط العسكرية المحكمة
والتخطيط الدقيق لدى التنظيم يدلان على أن أغلب قيادات التنظيم من الضباط
العراقيين السابقين.
قائلاً: “من خلال
معرفتي بهم، فإن أغلب القيادات الأمنية هي عناصر لها تاريخ طويل في مجال الجيش
والمخابرات، ومنهم من كان سجينا سابقا في العراق وسوريا، وهؤلاء متمرسون في القمع
وملاحقة الناس. كما أن الخطط العسكرية المحكمة والتخطيط الدقيق يدلان على أن أغلب
قيادات التنظيم من الضباط العراقيين السابقين”.
ويتابع الأحمد قائلاً: “أسندت
لهؤلاء الضباط مناصب أمنية خاصة في السجون والمعتقلات، لملاحقة المخالفين لهم في
الرأي وتصفيتهم، حيث يمتلك التنظيم قوة مخابراتية كبيرة نراها في الاعتقالات التي تحصل
في المدن التي يسيطر عليها. حتى أنها فاقت القبضة الأمنية للنظامين السوري
والعراقي، وهذا أدى إلى نشر الرعب في قلوب الناس ومنعهم من أي تحرك ضده”.
أحكام تعسفية
أغلب الاعتقالات تعسفية، وهو
ما يعاني منه النشطاء والمدنيين في مدينة الرقة، فقد أشار الأحمد لـ”صدى
الشام” قائلاً: “بما أن التنظيم يجيز قتال الجيش الحر ويعتبره مرتدا، فإنه
يرى كل الناشطين الذين يخالفونه الرأي مرتدين، خاصة أولئك الذين يطالبون بدولة
مدنية ديمقراطية، وهناك الكثير من الناشطين اعتقلوا على يد التنظيم في محافظة
الرقة كإبراهيم فراس المعتقل منذ سنتين”.
ويتابع الأحمد قائلاً:
“أهم القوانين الصادرة لدى التنظيم هي تطبيق القصاص بمجرد مخالفتهم في الرأي،
حيث يعتبر ذلك جريمة تستوجب الإعدام. وهناك الكثير من القوانين حرفها التنظيم
لصالحه على أنها حدود مستمدة من الشريعة الإسلامية، كعقوبة ترك الصلاة أو سب الذات
الإلهية أو الزنا أو غيرها”.
خلال لقائي بالعديد من الذين كانوا معتقلين لدى التنظيم، فأن العقوبة الخفيفة داخل
السجون تقوم على الجلد، وتطبق بحق المعتقل تارك الصلاة، والمرأة التي تخرج بدون
نقاب، ومتعاطي الدخان. وهنالك عقوبات متوسطة كقطع اليد للذين يرتكبون جرم السرقة. أما
بالنسبة للتهم الكبيرة، والتي يرى التنظيم بأن مرتكبيها يستحقون الإعدام شنقاً
والرجم بالحجارة والرمي من المباني العالية أو قطع الأرجل والأيادي من خلاف، فهي
جرم الكفر والردة والخيانة والفساد.
وعناصر الجيش، فتطبق بحقهم عقوبات الصلبوتقطيع الأطراف والصعق بالكهرباء
ووضعهم في أقفاص وتركهم معلقين من اليدين”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث