الرئيسية / رأي / طريق الدم

طريق الدم

ثائر الزعزوع

من منا لم يبك مدينته وهو يراها تقصف وتدمر، وتنهار بيوتها على رؤوس
ساكنيها، من منا لم يبك الشهداء الذين صعدوا إلى السماء فرادى وجماعات، من منا لم
يتمن الموت ألف مرة لأنه بات عاجزاً عن فعل شيء؟

من منا لم يفعل كل ما سبق وأكثر؟ سوريا التي نعرفها صارت فعلاً ماضياً،
وكذا تفاصيلها الكثيرة التي كنا نحتفظ بها، كلها صارت من الماضي، ألبومات الصور
التي كانت تحتفظ بها أمهاتنا لم تعد موجودة، حتى قبور أحبابنا لن نستطيع أن
نميزها، وصل القصف إلى عمق ذاكرتنا فخربها، وصل إلى عمق أرواحنا فهشمها تهشيماً،
لم نعد نحن كما كنا من قبل.

يروي رجل ستيني على إحدى الفضائيات حكاية مؤلمة عن عائلته التي فقدها،
يتحدث عن خمسة أولاد وأمهم، يبكي بين الكلمة والأخرى، فتبكي المذيعة التي كانت
تجري معه اللقاء، يخرج من جيب قميصه منديلاً ويقدمه لها كي تمسح دموعها، يقول بصوت
عميق: الحمد لله. يزداد نشيج المذيعة، ولا تعود تدري ماذا تقول.

هذا مشهد تلفزيوني سوري بامتياز، قبله كان ثمة مشاهد فلسطينية سجلتها
الذاكرة لأمهات وآباء يودعون أبناءهم، كنا نعتبر تلك المشاهد تحدياً لا مثيل له،
ونحن منذ سنوات خمس نخوض هذا التحدي بتفاصيله. تقول قريبتي التي فقدت ولديها
شهيدين: الحمد لله.

أي إيمان هذا الذي يسكن قلوب الناس؟ أي تحدٍ هذا الذي جعل الموت يصبح
عادياً!

يوم الخميس الخامس من هذا الشهر، تابعت على المواقع الإخبارية صوراً
لمدينتي مدينة البوكمال وهي تتلقى الصواريخ الروسية ويتساقط أبناؤها شهداء واحداً
تلو الآخر، أعرف وجوه الكثيرين منهم، أحدهم كان زميل دراسة، الآخر كان جاراً، ذلك
الفتى هو ابن صديق. كان المشهد دامياً مرعباً، ولا يتوقف، ليست المرة الأولى ولن
تكون الأخيرة، قبلها كانت دوما وما زالت تنزف، وداريا، وحمص وحلب والرقة، وقبلها
كان كل ركن في سوريا ينزف، حيث الدمار والخراب والموت لا يتوقف… فلماذا لم
نتوقف؟ لماذا لم نرفع أذرعنا للأعلى ونستسلم؟

هل ثمة إجابة أكثر إقناعاً من كلمة الكرامة والتحدي؟

طريق الحرية لا يمكن أن يكون سوى هكذا.

وهل ثمة شعب صنع حريته بالأغاني والأمنيات؟

راقبوا ما يحدث في مصر… لن نبتعد كثيراً، تلك الثورة المبهجة التي
أفرحتنا، وكانت واحداً من أسباب ثورتنا، ثورة يناير العظيمة هي الآن في خبر كان…
سرقها العسكر هكذا يقول المصريون، فالنظام الذي كان قائماً قبلها عاد ليقف على
قدميه وليعيث في مصر فساداً حتى بدأت مدنها تغرق بمياه الأمطار، ويغرق أهلها في
بيوتهم. بل إن ثورة يناير نفسها صارت ملعونة، لأن الخلل الذي ثارت من أجله مصر لم
يتم إصلاحه، لأن الفساد الذي أوصل مصر إلى حافة الخراب لم يتغير… ما زال
المصريون في سرهم يهتفون يسقط يسفط حكم العسكر…

ولهذا فإن ثورتنا المباركة ما زالت تقتلع كل شيء، تقتلع الخراب كله الذي
تسببت فيه خمسون سنة أو أكثر من الفساد والاستبداد والعبودية، لأن الثورة تأخرت
سنوات، منذ أن قبل السوريون جميعاً أن يسلموا البلد كاملة لابن حافظ أسد… نعم
أليست هذه هي الحقيقة التي لا نريد الاعتراف بها؟ ألسنا الذين تأخرنا في ثورتنا
أحد عشر عاماً؟ نحن جميعاً أخطأنا… ولذلك فنحن جميعاً ندفع غالياً ثمن ذلك الخطأ
الذي لن يغفره لنا تاريخ سوريا.

نبكي شهداءنا الذين تليق بهم الحياة،

نبكي بلادنا التي نهبها المرتزقة الطائفيون ومغول العصر.

نبكي الجغرافيا والتاريخ وكل شيء… لكننا ندرك تماماً أن درب الحرية لا
تصنعه سوى الدماء… طوبى للشهداء… طوبى للصابرين، طوبى للأمهات الحاملات سر
الثورة المستمرة.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *