خضر الآغا
كثر الحديث في الآونة الأخيرة،
التي تمتد على مدار عامين أو أكثر، عن الحرب الدينية التي تجتاح العالم وتظر بأبهى
صورها في سوريا، وتم وصفها أنها حرب بين السنة والشيعة، أو بين الأكثرية السنية
والأقليات وهكذا.. وراح الكثير من الكتاب يكتبون حول هذا الأمر ويعودون بالتحليل
إلى بدء الافتراق التاريخي بين المسلمين، حيث انقسموا على نحو حاد فعلاً إلى شيعة
علي وسنة النبي، وراح الكثير من الناس يتحدثون عن ذلك شفوياً ويدعون إلى الإخاء
بين المذاهب والأديان كنوع من حل (الأزمة)، وقد طغى هذا التعبير على وسائل
الإعلام، بما فيها بعض الإعلام المعارض لنظام البراميل، وحتى وسائل الإعلام
الغربية غير الحكومية تتحدث، أحياناً، وأحياناً كثيرة، عن أن ما يجري في سوريا هو
حرب دينية، ولم تسلم من ذلك حتى وسائل التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وغيره…
وبمراجعة هذا كله ننخدع، بالفعل، ونظن أن ما تشهده سوريا هو حرب دينية!
هذا الأمر، وإن كان بحسن نية
أحياناً، إلا أنه حرف وتزييف لما يجري على أرض الواقع. وعلى أرض الواقع نعرف
جميعاً، أو علينا أن نعرف، أو نتذكر على الأقل، أن ما يجري هو أن شعباً ثار ضد
نظام قمعي وأمني وفاسد وهادر لكرامات الناس، بوصفه هذا أراد الناس التخلص منه،
وليس بوصفه نظاماً لجماعة دينية معينة، واستمرت الحالة على هذا النحو، ولم تزل.
إن قيام النظام وحلفائه الإيرانيين
بزج قوى متطرفة داخل الثورة الشعبية بطوريها: السلمي والمسلح، ومن ثم بإرسال (واستقبال)
كتائب طائفية من العراق ولبنان، وزج قوات إيرانية شيعية للقتال داخل سوريا إلى
جانب النظام لا يغير من الأمر شيئاً، إذ أنه لا يحرف الصراع الدائر بين قوى الثورة
وقوى النظام إلى حرب دينية…
إن وجود أكثرية سنية إلى جانب
الثورة وأكثرية شيعية إلى جانب النظام لا يحول الثورة إلى صراع سني – شيعي، بل يُظهره
كا هو بالفعل: أكثرية سياسية إيرانية من جانب، ضد أكثرية سياسية أخرى هي أكثرية
الشعب السوري ضد نظام الكيماوي! فالذين يقاتلون لا يقاتلون دفاعاً عن مذهب، حتى إن
حزب الله وإيران تراجعوا عن أنهم في سوريا لحماية مقامات يعتبرونها تخصهم وحدهم،
كمقام السيدة زينب، على الرغم من أنها تخص الجميع، وقالوا بصريح العبارة أنهم
يدافعون عن نظام “المقاومة”. فأي حرب دينية هذه؟ ماذا إذاً عن مباركة
الكنيسة الروسية للاحتلال الروسي لسوريا؟ هل حي حرب مسيحية – شيعية – أقلياتية ضد الإسلام
السني؟ هذا كلام لا يستقيم مع الواقع. فروسيا قالت إنها جاءت لحماية مصالحها
السياسية والاقتصادية والعسكرية، ثم قالت إنها جاءت لتدافع عن النظام… فأي حرب
دينية هذه؟
نعرف جميعاً أن الحروب الدينية
التي قامت عبر التاريخ هي حروب سياسية بلباس ديني، وإن ما أقوله ليس جديداً، ولكن
ما يجب الانتباه إليه، والعمل عليه، بلا هوادة، هو نسف الفكرة برمتها وعدم النظر
إلى الصراع في سوريا، مهما كانت الضغوط، على أنه حرب دينية، أو أنها حرب سياسية بلباس
ديني، إذ أنه يترتب على هذه الفكرة الكثير الكثير من الانسداد التاريخي،
والانهيارات المجتمعية أكثر فأكثر، ويحول النظام من كونه نظاماً باطشاً ثار عليه
الشعب لأنه هكذا، إلى نظام ثارت عليه مجموعة دينية أخرى، ويحوله إلى نظام يحارب الإرهاب
الديني كما يدّعي بالفعل، وهذا ما دأب عليه ودأبت عليه إيران، وهذا ما تردده روسيا
أيضاً عندما تؤكد أن وجود النظام ضروري لحماية الأقليات! الصيغة الوحيدة للتعبير
عما يجري: هو صراع الشعب السوري ضد نظام القتل، وأي تعبير آخر من نوع صراع ديني
ومذهبي وطائفي وغير ذلك.. هو تزييف وتحريف.
ما يجري لا علاقة له بالدين. حتى
الذين أرادوا تحويله إلى صراع ديني كإيران وحزب الله، تراجعوا عن ذلك تحت ضغط
الواقع. فهل يأتي معارضون لتثبيت فكرة ضد ثورة شعبهم؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث