تعتبر السهول المروية على جانبي نهر الفرات من أخصب الأراضي
الزراعية في سورية، وتعد مركزا لإنتاج الحبوب بكل أنواعها، بالإضافة للقطن
والخضروات والأشجار المثمرة خاصة أشجار الفستق الحلبي، لكن المنطقة تعرضت لخسائر
كبيرة خلال الفترة الماضية، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، التي أدت إلى خروج
مساحات كبيرة من الأراضي من الخدمة.
فراس محمد
يشهد القطاع الزراعي في منطقة جرابلس تدهورا كبيرا، بسبب الصراع الدائر
بين تنظيم داعش، والوحدات الكردية على ضفتي نهر الفرات، والذي يشكل الحد الفاصل
بين مناطق سيطرة الطرفين المتصارعين.
وأفاد ناشطون في المنطقة أن الإنتاج الزراعي الذي يشكل مصدر الدخل
الأساسي لمعظم سكان المنطقة، شهد خسائر فادحة منذ اندلاع الصراع بين تنظيم داعش والوحدات
الكردية للسيطرة على ضفاف نهر الفرات، الذي تشكل السهول الخصبة على جانبيه ما
نسبته 90-95 % من نسبة الاراضي المروية والصالحة للزراعة.
أبو أحمد، أحد الفلاحين من منطقة جرابلس، قال إن “العمل في المناطق
الزراعية الأن أقرب للانتحار، فالألغام المزروعة على طول المنطقة الزراعية الممتدة
من الحدود السورية التركية شمالا وحتى بحيرة سد تشرين جنوبا، تشكل تهديدا كبيرا
لحياة الفلاحين، أضف إلى ذلك أن عمليات القنص المتبادلة بين داعش والوحدات الكردية
جعلت العمل في الأراضي الزراعية عملا مستحيلا، فقد قتل العديد من الفلاحين أثناء
عملهم في حقولهم بسبب هذه الألغام التي زرعها التنظيم، كما قتل شخص وجرح أخرون
جراء قنصهم من قبل الوحدات الكردية على الضفة الثانية للنهر”.
من جانب آخر، قال أبو أحمد أن “تعديات التنظيم لم تقتصر على زرع
الألغام، بل تعدتها إلى حفر خنادق وبناء تحصينات داخل الأراضي، ولم تقتصر ممارسات
التنظيم على الأراضي الزراعية في نهر الفرات بل تعدتها إلى مزارع الزيتون والفستق
الحلبي الذي تشتهر به المنطقة، وذلك على طول الحدود مع تركيا، خاصة بعد كلام
الحكومة التركية عن نيتها إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري، حيث قام التنظيم بزراعة
المنطقة الحدودية بالألغام، ومنع المدنيين من الاقتراب من أراضيهم.
قام داعش بإعدام عدة أشخاص بتهمة العمالة والكفر، فقط لأنهم ذهبوا
إلى أراضيهم الواقعة تحت سيطرة الوحدات الكردية
على الضفة الشرقية للنهر والخاضعة لسيطرة الوحدات الكردية، لم يكن الوضع أفضل
حالا، فقد أكد مدنيون أن المنطقة خالية تماما من السكان على طول الحدود الممتدة من
الحدود التركية وحتى جسر قره قوزاق، بسبب عمليات التهجير التي تمارسها الوحدات
الكردية تجاه السكان العرب في المنطقة، بحجة أنها منطقة عسكرية، ولا يسمح للمدنيين
بالإقامة فيها خشية تسلل عناصر تنظيم الدولة. فيما أكد أحد المزارعين من المنطقة
أن “الأراضي الزراعية التي تعتبر مورد الرزق الأساسي لمعظم السكان تركت بورا،
ولم تسمح لهم الوحدات الكردية بزراعتها، في حين تعتبر داعش كل من يذهب لبيته وأرضه
التي تقع تحت سيطرت الوحدات الكردية عميلا وكافرا، وقد قامت بإعدام عدة أشخاص بهذه
التهمة”. وأضاف المزارع قائلا: “إن الوضع الاقتصادي والمعيشي في هذه
المنطقة أصبح مزريا جدا، وينذر بكارثة قد تصل إلى حد المجاعة بحال أستمر على ما هو
عليه، خاصة مع استمرار إغلاق البوابة الحدودية مع تركيا، والتي كانت تشكل موردا
اقتصاديا رديفا للقطاع الزراعي الذي يشكل العمود الفقري لاقتصاد المنطقة، خاصة حوض
الفرات ذي التربة الخصبة والوافر المياه.
بذات السياق، قال الحقوقي محمد الشيوخي أنه “هرب من قريته بسبب
انتقاده لممارسات تنظيم داعش خلال سيطرتها
على أغلب المناطق ذات الغالبية الكردية في ريف عين العرب “كوباني”، وما
قامت به من نهب منظم لبيوت وممتلكات الأكراد، الذين يربطهم علاقات قربى ومصاهرة
قديمة ومتجذرة عبر مئات السنين مع السكان العرب، لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر من صدمة،
فالوحدات الكردية قامت بتحميل السكان العرب مسؤولية ممارسات تنظيم داعش ضد السكان
الأكراد، متناسية أن التنظيم قتل ونهب من السكان العرب أكثر بكثير من ما قام به ضد
السكان الأكراد، ووجود بعض العناصر العربية التي بايعت داعش لا يبرر ما تقوم به
الوحدات الكردية بالاستيلاء على بيوت وأراضي السكان العرب. ولو كانت الأمور تقاس
بهذه الطريقة فما هو موقف الوحدات الكردية من منتسبي التنظيم من الأكراد!”.
كما أضاف الشيوخي أن “المدنيين هم من يدفع الثمن في الحالتين، فكما
نهب التنظيم بيوت وممتلكات الأكراد والعرب على حد سواء، تقوم الوحدات الكردية بنفس
الانتهاكات. فالمهجرون العرب الذين يتجاوز عددهم 50 ألفا من مناطق شرقي نهر الفرات،
يعيشون واقعا مأساويا جدا، كما أن الأراضي التي تركوها بدون زراعة ستصبح بعد فترة
غير صالحة للزراعة بسبب نمو الأعشاب الضارة على نطاق واسع، في حين ستكون الأشجار
المثمرة هي الأكثر عرضة للخطر بسبب حاجتها للعناية والمراقبة من قبل الفلاحين،
وسيكون الواقع الزراعي كارثيا بحال أستمر الوضع على ما هو عليه لمدة طويلة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث