د.بشار أحمد
منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة
السورية، بعد أن كسر المتظاهرون حاجز الخوف الذي خلقه نظام الأسد بأجهزته الأمنية،
كثرت التحليلات والتوقعات حول مآلات الثورة السورية ومآلات نظام الأسد، حيث لم
يتوقع أحد أن يكون الأمر بهذا المستوى من التعقيد، تحولت سورية من خلاله إلى رقعة
شطرنج كبيرة يتصارع فوقها دول وتحالفات حولت الثورة إلى موضوع أكثر عمقاً وتشابكاً
وجعلت الأحداث مفتوحة على أكثر من احتمال.
بدأت لعبة الشطرنج الدولية على الأرض
السورية مع أول تدخل خارجي بالثورة السورية والتي كانت عبارة عن جس نبض عبر تحركات
بسيطة وتمهيدية لكنها مدروسة، وغالباً ما كانت عبر تحريك أحجار المقدمة الصغيرة،
تحولت مع مرور الوقت إلى تدخلات هجومية عميقة عبر تحريك أحجار ثقيلة بهدف تصفية
حسابات وتحقيق انتصارات تكتيكية، إلى أن وصلت اليوم لتحريك ما تبقى من أحجار
لتحقيق انتصارات استراتيجية تتجسد إما بإنهاء اللعبة بحركة (كش مات)، أو بتحقيق
صيغة لا غالب ولا مغلوب.
تدور اللعبة في سوريا بين
أميريكا وروسيا حول نتيجة من اثنتين: إما التفاهم الذي سيحمل صيغة لا غالب ولا
مغلوب، أو التصعيد الدولي وتصفية الحسابات.
فلو أخذنا اللعبة الدولية على رقعة
الشطرنج السورية وطبقناها على اللاعبين الأساسيين على رقعة الشطرنج السورية، وهما
الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا لوجدنا أنه وبعد مضي أكثر من أربعة أعوام ونصف
العام من الثورة السورية، تدور اللعبة بينهما حول نتيجة واحدة من بين نتيجتين
محتملتين، وهما إما التفاهم الأمريكي – الروسي على الملف السوري مع إمكانية مقايضة
بقية أو بعض الملفات بين الدولتين بحيث تكون كلا الدولتان رابحتين وتحققان صيغة لا
غالب ولا مغلوب، أو تصعيد الدولتين في سورية وتحويلها إلى رقعة شطرنج تدور فوقها
معركة تغيب عنها القواعد وتتشابك فيها الجبهات لتشمل تصفية الحسابات في مناطق أخرى
لتكون المعادلة بينهما صفرية.
فبالنسبة إلى روسيا، وباعتبارها اليوم،
وفي هذه المرحلة النهائية، صاحبة الحركة الهجومية، فقد أظهرت جدية بالتدخل في
سورية من الناحية العسكرية، فبعد أن كان الأمر في بداية الثورة يعتمد على بعض
المساعدات العسكرية واللوجستية بما فيها الخبرات، إضافة إلى الدعم السياسي في مجلس الأمن والمحافل الدولية، أخذت
روسيا زمام المبادرة على الأرض وتحركت عسكرياً عبر طائراتها في محاولة منها
لاستعادة الدور السوفييتي في “الشرق الأوسط” عبر أمرين رئيسيين: الأول تقوية
موقف رئيس النظام السوري وفريقه في أي مفاوضات قريبة، والثاني إظهار فعالية روسيا
في الحرب على “الإرهاب”، بعد فشل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات
المتحدة الأمريكية في هذه الناحية، مستغلة في نفس الوقت الشرخ الأوروبي الحاصل
والمتعمق بسبب ملف اللاجئين السوريين المتزايدين في أوروبا، لتظهر روسيا نفسها على
أنها منقذ الأوربيين من شبح اللاجئين السوريين.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة
الأمريكية فلا يبدو أنها تملك خطة واضحة ومتكاملة حيال التدخل العسكري الروسي في
سورية، وهذا ما قد يدفعها إلى تحويل الوجود العسكري الروسي في سورية إلى صيغة رابح
– رابح، والابتعاد عن المعادلات الصفرية التي لا تعرف سوى فائز بكل شيء وخاسر لكل
شيء، محاولة في نفس الوقت استغلال الوجود العسكري الروسي القوي في سورية لتهميش أدوار
بعض القوى الإقليمية الداخلة في لعبة التنافس على الأرض السورية واللعب على وتر
التناقضات الإقليمية والمصالح المتضاربة لتحقيق أهدافها ومصالحها.
إن ما تشهده سورية حالياً يمثل
المرحلة الأخيرة والنهائية من لعبة الشطرنج الدولية المفتوحة.
وبالتالي وبموجب التحركات الروسية تكون بذلك
فرضت أمراً واقعاً على الأرض كسر التوازن بين النظام والمعارضة السورية، وهو ما يستلزم
تحركات مقابلة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية إما لإعادة التوازن، أو للتصعيد
المضاد، وهو ما يدفع للقول أن لعبة الشطرنج على الأراضي السورية تكون في مرحلتها النهائية،
فبعد أن امتلكت روسيا زمام المبادرة في النهائيات، يكون الدور على نقلة الولايات المتحدة
الأمريكية والتي ستعكس رؤيتها واستراتيجيتها إما التهدئة أو التصعيد.
بالمختصر يمكن القول أن ما تشهده سورية
حالياً يمثل المرحلة الأخيرة والنهائية من لعبة الشطرنج الدولية المفتوحة ،والتي
تضم مجموعة من الأطراف والأحلاف، لذلك من الصعوبة بمكان الجزم بالسيناريوهات فضلاً
عن النتائج والمآلات، فلكل طرف من الأطراف أهدافه الخاصة التي تحقق مصالحه، مما
يقودنا إلى عدد غير محدود من السيناريوهات المتوقعة، أي أن ما يجري على الأراضي
السورية هو أشبه برقعة الشطرنج المفتوحة على الزمان والسيناريوهات والحدود والأدوار،
بحيث تؤدي كل خطوة فيها إلى سلسلة خطوات مترتبة عليها، مما يعني احتمال تغير الخطط
والتحالفات، وتحويل الحلفاء إلى أعداء، والأعداء إلى حلفاء، إلا أن الثابت حتى
الأن هو التحركات المتناقضة، والتي تتفاقم لعدة أسباب منها:
1- حدود التدخل العسكري لكل من الولايات المتحدة أمريكية
وروسيا، وما ينتج عنه من تفعيل حرب بالوساطة.
2- عدم قدرة أي من القوتَين على الانسحاب من مسرح الأحداث
نظراً إلى التزامهما مع حلفائهما الإقليميين ومصالحهما السياسية والاقتصادية وهيبتهما
الدولية.
3- عدم قدرتهما على الحل والربط
في سورية لوحدهما بسبب تشابك المشهد السياسي والعسكري بين مجموعة من القوى
الإقليمية والدولية الأخرى.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث