تنوعت الانتهاكات التي تعرض لها الأطفال
في سوريا خلال السنوات الأربع الماضية، وتفاقمت لتصبح إحدى العلامات المميزة للحرب
السورية. عانى الأطفال معها من الجوع والتشرد والاعتقال والتعذيب والقتل بأساليب
مختلفة من قصف وقنص وخنق بالأسلحة الكيميائية، ليترك ذلك على أجسادهم الصغيرة وعقولهم
الغضة ندباً لا يشفيها إلا الزمن.
سارة مراد
لا يتوقف تأثير الانتهاكات التي تعرض لها
الأطفال السوريون على التأثير الجسدي فقط، وإنما يتعداه إلى التأثير النفسي وتبعاته
على حاضر الأطفال ومستقبلهم.
وبهدف التخفيف من هذه الآثار، تعمل العديد من المنظمات
الحكومية والإنسانية والمجموعات التطوعية، على تقديم كل أنواع الدعم اللازم للأطفال،
وذلك من خلال دورات تدريبية للأطفال وأخرى ارشادية للمدرسين والأهالي، من أجل التعرف
على الأساليب الصحيحة للتعامل مع الأطفال في ظل تعرضهم لذلك الكم الهائل من الضغوط
النفسية والجسدية. تؤكد ابتسام لبابيدي مسؤولة الدعم النفسي في منظمة إنسانية، لـ”صدى
الشام” أن “لمشاهد القتل والدمار والتعذيب التي عايشها الأطفال السوريون
تأثير مدمر على نفسيتهم وأفكارهم، ويتوجب على الأهالي وعلى جميع السوريين، أن
يكونوا واعين لخطورة ذلك، وأن يقدموا الدعم المناسب للأطفال لمساعدتهم على محو تلك
المشاهد من ذاكراتهم”.
أما سعاد طويل، إحدى الطبيبات المشاركات في نشاط
تدريبي لتوعية أهالي مخيم باب السلامة على الحدود السورية التركية، فتشرح عن ردود
فعل الأطفال على الضغوط النفسية التي يتعرضون لها في الحرب، فتقول: “يختلف
سلوك الأطفال في التعامل مع ظروف الحرب التي عايشوها، وتختلف أساليبهم في التعبير
عن تأثرهم بتلك الظروف، فمنهم من يعتمد أسلوب المواجهة والعنف لإخفاء ضعفه وخوفه،
ومنهم من يلجأ للعزلة والابتعاد عن الآخرين، وآخرون يصابون باضطرابات سلوكية مثل
الخوف الشديد من الظلام، ومن الأصوات العالية والتبول اللاإرادي الليلي”.
وتضيف: “رغم تعدد هذه الأساليب، إلا أن الأطفال يشتركون بتغير ملحوظ في
طبيعتهم وسلوكهم”. كما تشير سعاد إلى أن “الدور الأكبر في حل هذه
المشاكل يقع على عاتق الأهل لأنهم محط ثقة الطفل ويرافقونه في أغلب الأوقات”.
وتؤكد بأن هذه الدورات “تعمل على توعية الأهل بالأنماط المختلفة لسلوك الطفل،
وأهم طرق الرعاية الممكنة، والتي تعتمد في معظمها على الاستماع له بالدرجة الأولى،
ومحاولة نزع الخوف وغرس الطمأنينة في نفسه، ليكون قادراً على إكمال حياته وتعليمه
بشكل سليم”.
“يعتمد بعض الأطفال أسلوب
المواجهة والعنف لإخفاء ضعفه وخوفه، في حين يلجأ عضهم الآخر للعزلة والابتعاد عن
الآخرين”
وعن المشاكل التي تواجه المشاركين والمتطوعين في
مثل هذه الدورات، يقول عمار الإدلبي، أستاذ في التربية وعلم النفس، لـ”صدى
الشام”: “أغلب الأهالي الذين يقطنون المخيمات لا يعلمون الكثير عن حقوق
الطفل، وفئة كبيرة منهم لا يحبذون حتى تعليم أطفالهم، و يرون أنه من الأفضل لهم أن
يعملوا ويجنوا المال”. ويضيف: “أعمل وزملائي على توعية السوريين هنا
بضرورة حماية أطفالهم وتعليمهم. في البداية كانت الاستجابة من قبل الأهالي ضئيلة،
ولكن مع الوقت بدأ قسم منهم بالتفاعل معنا، والسماح لأبنائهم بالتعلم في مدارس
المخيم”.
أغلب الأهالي الذين يقطنون المخيمات
لا يعلمون الكثير عن حقوق الطفل، وفئة كبيرة منهم لا يحبذون حتى تعليم أطفالهم.
ليلى، 5 سنوات، لا تستطيع النوم وحدها في الليل،
وتعاني من التبول اللاإرادي نتيجة لحالة خوف شديدة عاشتها بعد سقوط صاروخ على
حيهم. تشير والدتها إلى أن حال ابنتها استمرت لمدة عام دون أن تتحسن، إلى أن
زارتها مشرفة الدعم النفسي ووضحت لها ضرورة تقديم العلاج النفسي لليلى حتى تشفى من
هذه الحالة، وتقول لـ”صدى الشام”: “استمرت المشرفة بزيارتنا هي
وزملاؤها، لفترة من الزمن، اهتموا خلالها بليلى كثيراً واستمعوا إليها، حيث حكت
لهم عن مخاوفها من الظلام ومن الطيران، ومن أن يموت أحد منا كما توفيت صديقتها لين.
كانوا دائماً يطمئنونها ويلعبون معها، ومع الوقت تحسنت ليلى كثيراً”. وعن
فرحها بتحسن ابنتها، تقول: “عادت ليلى مرحة وسعيدة كما كانت من قبل، تعلمت
طريقة الاستماع لابنتي واللعب معها حتى أشعرها بالحب والأمان”.
“كانت أم ليلى من الأمهات المتعاونات جداً
مع المدربين في حملة الدعم النفسي للأطفال، ولكن حالها ليس حال جميع الأهالي،
فالكثير منهم لا يتقبل فكرة دعم أطفالهم والاستماع إليهم وإعطائهم حقوقهم، بل يرون
أطفالهم شماعة يعلقون عليها ضغوط الحياة والمعيشة. كثير منهم يعنفون أطفالهم
ويضربونهم دون أسباب تذكر، فقط لتفريغ قلقهم وغضبهم. يمارسون عليهم ضغوطاً إضافية
تؤدي لتفاقم مشاكلهم النفسية”، وفق ما قاله الدكتور محمود صالح، وهو أستاذ في
علم النفس مشارك في الحملة. وأضاف الصالح بأن “مرحلة الطفولة هي مرحلة تكوين
الشخصية، وكل ما يزرع فيها من أفكار ومخاوف سوف يبقى ملازما للطفل طوال حياته،
وسوف يؤثر على مستقبله”.
يتعرض مراد، 10 أعوام، للضرب يومياً من قبل
والده. وعند سؤاله عن أسباب ذلك، أجاب: “لا أعلم. يعود أبي إلى البيت غاضباً،
وعندما يراني يضربني، أصبحت أخاف من الساعة السادسة ولا أريدها أن تأتي. أتمنى أن
يكون أبي خارج البيت دائماً وألا أراه”. ويعزو والده أسباب تعنيفه لابنه
بالضرب بضرورة تربيته، قائلاً: “الحياة صعبة، وعملي مجهد وشاق. عند عودتي للمنزل،
أريد أن أرتاح، ولا أحتمل أن أرى أحداً أو أن اسمع صوتاً، وهو مشاغب ويحتاج لتربية”.
يجهل كثير من الأهالي أن الضرب والتعنيف اللفظي
والجسدي ليس طريقة وأسلوب لتربية الطفل، بل أسلوب لتحطيم مستقبله وشخصيته وتحويله
لمشروع مجرم أو شخص فاشل في المستقبل. وأنه من حق كل طفل أن يعيش بسلام حياة كريمة
مليئة بالحب والدعم والحنان، وأن نزرع فيه الأمل بالمستقبل الذي سيحمل معه تغييراً
لواقعه ونجاة منه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث