ميسون شقير/
ثقافة الأضحية هي ثقافة وجدت منذ وجد الإنسان ومنذ وعي ذاته وبدأ بتشكيل تجمعات وقرى صغيرة، وبدأ يناقش علاقته مع قوى الطبيعة مقارنة بضعفه، وخاصة في المراحل الأولى لحياة هذا الإنسان على هذه الأرض وعلاقته أيضاً مع المستقبل المجهول، كل هذا جعل مفهوم الأضحية كثقافة يتكون بسبب القلق الدائم الذي يعيشه هذا الكائن الذكي المدهش، القادر على المحاكمة والإبداع والابتكار، ولقدراته الهائلة هذه نفسها فان هذا الكائن ضعيف وهش، ومحاكمته تلك هي التي تجعله خائفا، لذلك فإن فكرة الأضحية وجدت مذ كان عهد الألهة المتعددة مثل آلهة الشمس والبحر والخصب والريح، وقد وجدت المذابح مرافقة دائما لكل المعابد، وكانت تلك المذابح هي لتقديم أضاحٍ من الحيوانات للآلهة كي ترضى عن الإنسان وتقدم له هباتها وتحميه من كوارثها إذا غضبت، وتزامنت ثقافة الأضحية مع ثقافة العيد؛ المناسبة التي اخترعها الإنسان كي يجدد احتفاءه بالحياة، كي يتحايل على الموت، كي يرشي القدر بالانتظار والأحلام والفرح القصير، كي يجدد قدرته على العطاء وعلى التحدي، كي يختبر نفسه جيداً، وكي يعيد التعرف عليها.
وقد استمرت ثقافة الأضحية لتصل إلى مرتبة التضحية بأغلى ما يملك الإنسان، ألا وهو ابنه لأن الجميع ملك لله وحده، ولأن الله غفور رحيم فقد افتدى ابن إبراهيم بأضحية من خروف صغير. واستمرت ثقافة العيد ليصبح يوم نجاة الطفل هو يوم فرح وزهو ومراجيح لأطفال يلبسون ملابسهم الجديدة ويمضون إلى شبابهم مسرعين.
منذ خمس سنولت والعيد يدخل قلوب السوريين ويداه فارغتان من الكعك، عيونه فارغة من اللون، يفتش عنهم فلا يجدهم، يفرك عينيه بالملح حين لا يصدق ما يراه، النوافذ التي كانت تستقبله بأكف الصبايا وهن يعدن تلميع بللورها وتنظيف وكي ستائرها، الصبايا اللواتي كن يسقين أنوثتهن وزهور الشرفة في الصباح، ويقطفن بعضها مع كحل العين ليزين طاولة هذا الضيف القادم، الصبايا اللواتي جفت الورود في صدورهن وهن يشيعن الشباب الراحلين. يركض العيد خلف السوريين، يفتش عن رائحة قهوتهم في الصباح حين كانت تعد له مراسيم الاستقبال الفريد، يفتش عن يد الأم وهي تمشط شعر أمومتها وشعر ابنتها الطويل، وتلبسها فستانها الذي نام كل الليل على مخدتها، وحذائها اللامع الذي بقي ساهرا يحرس حلمها حتى الصباح، يفتش عنه في العيون المطفأة الشاردة.
منذ خمس سنوات، يذهب ذاك الطفل الذي صار رجلا دون أن يمر بالطفولة حين كان والده هوالأضحية، ثم صار كهلا دون أن يمر بالشباب حين اعتقلته الأعلام السوداء، الطفل الذي كان يمر كل عيد أمام ذاك الدكان ويوشوش تلك الطفلة التي كانت ترتدي ثوبها الزهري وكانت تخجل حين يقول لها سنلتقي في العيد. منذ خمس سنوات يذهب لقبرها، يوشوشها، ثم يذهب إلى يوم العيد ويفتش عنها.
منذ خمس سنوات يأتي هذا اليوم للسوريين بطعم القهر والفقد، يجدد الفجيعة، يجدد لحظات الموت الأولى، يجدد إحساس الغربة القاتل، يجدد طعم المجزرة.
منذ خمس سنوات والأضاحي السورية تملأ البحار أضاحي مالحة، وتملأ الشوارع أضاحي ممتلئة بغبار ركام بيوتهم، وركام أحلامهم البائسة. منذ خمس سنوات، والسوريون يقدمون لآلهة الحرية ما لم يقدمه شعب على وجه الأرض، قدموا لها الأطفال الكثيرين الذين يتبادلون الآن الألعاب والحلوى، يتبادلونها هناك تحت التراب في المقبرة، الأطفال الذين كبروا دفعة واحدة، كبروا حتى الموت.
منذ خمس سنوات والسوريون يضحون بنهر دم طويل يصل كل مذابح البشرية، وكل معابدها، خيط دم يغطي ناطحات سحابها، ويمحي تاريخهاً كاملاً، يمحي كل حقوق الإنسان الكاذبة. هم يضحون وهذا العالم يضحي بهم ويحتفل ويخصص لكل صباح قادم اسم عيد جديد.
السوريون الآن يصلون الله، السوريون يذرون غبار عظامهم في عيون العالم، السوريون الوحيدون على هذه الأرض.
في يوم عيد الأضحى لم يعودوا يمتلكون شيئا يضحون به غير هذا الكون.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث