الرئيسية / رأي / موقعنا من المشهد الثوري والتحرك الدولي في سورية

موقعنا من المشهد الثوري والتحرك الدولي في سورية

صدى الشام _  نبيل شبيب/

أصبح المشهد الثوري ضحية من ضحايا قصورنا عن استيعابه استيعابا مشتركا، ومن دون هذا الاستيعاب يستحيل التأثير الجماعي للعمل في الاتجاه الصحيح.. وكيف لنا ذلك ما دام كل طرف منا ينظر إلى الساحة من زاوية واحدة، أو دائرة ضيقة، فيعمم ما يراه فيها على ما لا يراه في سواها، ويدين قديم “سايكس بيكو” وجديدها وهو يصنع مثلها في “النسيج الثوري” نفسه وليس في النسيج الوطني فحسب.. ولهذا أصبح أقصى ما يصل إليه هو تكرار طرح “عناوين” حفظناها عن ظهر قلب، في مقدمتها توحيد القوى الثورية، وإصلاح السياسيين لأنفسهم.. وتبقى العناوين عناوين، لا تمثل مشاريعا ولا حلولا، وأنى لنا هذا ما دام كل منا قابعا في زاويته ودائرته، يعض بالنواجذ على رؤيته الموضعية الذاتية!

إن المشهد الثوري في سورية مشاهد متكاملة كلوحة الفسيفساء، وإن كانت متعددة تؤكد -أو توهم- بأن الثورة الشعبية أصبحت ثورات، ولن نرى لوحة المشهد بمجموعها.. إلا عبر حصيلة ما تراه “أعيننا” -كل على حدة- وزوايا النظر المتعددة.

وإن القسط الشعبي في المشهد الثوري هو الأصل.. وهو صانع الثورة، ولكن أصبح في “أعيننا” هزيلا محاصرا، ومستهدفا ضامرا، لأننا لا نعود إليه ولا نستعيد الثورة التي انطلقت منه، إلا في ميدان رثاء الضحايا بل ربما في التسابق على بيان “فضلنا” عبر إظهار “ألمنا” بسبب المعاناة، وحتى عبر المشاركة في بعض ما يجب علينا صنعه من إغاثة معنوية ومادية.

وإن نصيب ما يطرح من دعوات توحيد الصفوف وما يتفرع عن ذلك، لم يعد يتجاوز غالبا -بغض النظر عن النوايا- حدود سعي كل طرف إلى بيان أنه “هو” الطرف الأصدق ثوريا، فهو مستعد وغيره يعرقل، أما على أرض الواقع فلم يصل بنا الأمر إلى تأجيل التشبث برؤى ذاتية وانفرادية عقيمة إلى ما بعد تحقيق الهدف الأولي وانقطاع سيل الدماء الطاهرة، إذ نأبى التراجع فعلا لا كلاما تجاه بعضنا بعضا، ونأبى التخلي عن بعض شروطنا تجاه بعضنا بعضا، ولو بنسبة ضئيلة بالمقارنة مع ما وصل إليه تسليم الزمام -مع تضييع تلك الرؤى نفسها- على مذبح الحاجة لمن يمنح ويشترط ويوجّه ويقيّد!

إن المشهد الثوري هو مربط الفرس في مسار الثورة، وكل ما عداه، بما في ذلك التحرك الدولي، يتأثر به بقدر ما يكتسب مشهدنا الثوري الذاتي أسسا قويمة ثابتة ومعالم مرئية على أرض الواقع بمضمونها وآثارها.

نحن المسؤولون عن حقيقة خطيرة أن أنظارنا لا تتسمر على “ثورة شعبنا” بل على “التحرك الدولي” لتقويضها.. وهو تحرك يصنعه عداء أصيل لإرادة الشعوب، لديه إمكانات ضخمة، ولكن قسطا كبيرا من أفاعيله وحصيلتها راجع إلى تغييب إعطاء الأولوية لأداء واجبنا في صناعة المشهد الثوري بأنفسنا، وبقدر ما ضعف حجم أداء هذا الواجب، بلغ التحرك الدولي من العنف والضراوة ما يوحي -أو يوهم- أنه هو وحده المسيطر، كما بلغ من التعقيد ما يوحي –أو يوهم- باستحالة التأثير عليه.

من الشواهد الآنية لحظة كتابة هذه السطور على ما سبق نوعية العلاقة بين صقور الشام وأحرار الشام وبين فيلق الرحمن وجيش الشام.. وبين جبهات الشمال وجبهات الجنوب، فلا غرابة أن يتفق الروس والأمريكان على ألا يتفقوا، بانتظار أن تستهلك التفرقة القوى الذاتية للثوار، ويسهل فرض رؤية أجنبية -سيان ما تكون- على حصيلة الثورة.

إن في مقدمة ما يحجب الرؤية الموضوعية للمشهد الثوري الواحد وللتحرك الدولي الموحد هو الضباب الناجم عن استغراقنا منفردين في تفاصيل منفردة عبر زوايا نظر محدودة، بعيدا عن النظرة المشتركة الشاملة، ناهيك عن تصلب ما نحسبه صحيحا من نظراتنا الجزئية، دون تطبيق قاعدة “تفكيك المشهد وتركيبه” لنصل إلى رؤية موضوعية.

إن في مقدمة ما يحجب الرؤية الموضوعية للمشهد الثوري الواحد وللتحرك الدولي الموحد هو الضباب الناجم عن استغراقنا منفردين في تفاصيل منفردة عبر زوايا نظر محدودة، بعيدا عن النظرة المشتركة الشاملة

ولكن ما معنى المشهد الثوري “الواحد”؟

المشهد الثوري واحد زمنيا، يمتد من أولى مظاهر “رفض” استبداد انقلابي حتى هذه اللحظة وإلى يوم النصر الأول باقتلاع جذور الاستبداد.. فما أشد عقم جدل يتجدد حول إبراز مرحلة زمنية على حساب أخرى أو التهوين من شأنها.. وذاك بعض ما نشهده حاليا على هامش التحرك في ريف حماة.

إن المشهد الثوري نعايشه في “مرحلة” الثورة الشعبية الحالية، أي التي اندلعت جماعيا في آذار/ مارس ٢٠١١م وهو في هذه المرحلة أيضا مشهد واحد بإرهاصاته قبل الثورة، وبمظاهراته السلمية الأولى، وبمحطات النجاح والتعثر في مساره المسلح ومساره السياسي، وبعطاءات الفكر والإعلام التي أنجبها، بضعفها وقوتها، وبانتشار القليل وخنق القدر الأكبر منها.. فما أبأس من يصرف جهده وفكره ومداد قلمه على الخوض في جدل عقيم حول ذلك كله أو يصرف بصره وسمعه في متابعة ذلك الجدل والتأثر به.

وإن المشهد الثوري واحد أيضا في “اللحظة التاريخية الآنية” من مسار الثورة، فلا تنفصل ملحمة حلب الكبرى عن ملحمة درعا انطلاقا من المسجد العمري، ولا ينفصل التحرك في ريف حماة الشمالي عن مسلسل أيقونة الثورة داريا وأخواتها من قبلها ومن بعدها، ولا ينفصل ما يشهده حي الوعر عما تشهده الغوطة الشرقية، ولا يفيد الكلام في عالم افتراضي حول التحرك في الشمال بدعم خارجي تركي بمعزل عن إرهاصات تحرك مأمول في الجنوب رغم تغوّل خارجي متعدد العواصم.

وحدة المشهد تنطبق على التحرك الدولي أيضا وإن تعددت من ورائه محركات لغة المصالح ولغة الهيمنة، ولغة الدعم ولغة العداء، فبمنظور نتائجه وما تتطلب من تحرك ثوري وسياسي فعال متكامل، هو مشهد واحد تعددت جزئياته ومواطنه، وتتكامل فيما بينها -وليقل من يقول إنه تعدد أدوار- ما بين مسلسل الترهيب والتشريد عبر القصف بأسلحة محرمة وغازات وسموم، ومسلسل التيئيس والتثبيط عبر استعراض مدى الاستهتار الدولي بالإنسان وتمرير جميع الجرائم دون عقاب تارة بدعوى “الفيتو”، وتارة أخرى بالصمت المتعمد كما جرى ويجري إزاء قصف النازحين، وإزاء عمليات التدنيس “التي يسمونها عمليات تطهير” بتمليك المحتلين الغاصبين الأحياء والقرى “المطهرة” من الأهل المدنيين الأصليين، بل وصل أسلوب التيئيس من خلال استعراض الاستهتار الدولي تكرار المواقف المستهترة بما يكشف من أهوال التقتيل والتعذيب في المعتقلات.. وحتى ما يكشف من تواطؤ الأمم المتحدة “إغاثيا” مع بقايا النظام.

إن المحور الأساسي لوحدة المشهد في التحرك الدولي هو ما يقول به لسان حال ما يسمى المجتمع الدولي:

مهما حدث لكم بفعل عدواننا المباشر أو بفعل بقايا نظام التسلّط بدعمنا المباشر وغير المباشر، فلن نأبه بكم.. حتى تكفوا عن التحرك الثوري.. عن ثورة التغيير الشعبية التاريخية.. عن طلب الحرية والكرامة والعدالة والأمن!

أين الجواب؟

المشكلة هي أننا نعطي باسم الثورة ألف جواب وجواب، والمشهد يحتاج إلى جواب واحد موحد.

كل من يتشبث بجميع ما لديه على حساب تقاربه مع سواه كي يولد الجواب الموحد، هو -مهما أخلص- شريك واقعي في تأخير النصر.

وعبارة “تأخير النصر” أصبحت للأسف مستساغة، إذ تستخدم غالبا للتبرير ولتخفيف وطأة ما نصنع، أي تستخدم بمعنى أن النصر قادم وإن تأخر، والواقع أنها تعني استمرار سقوط الضحايا، واستمرار المعاناة، واستمرار تمكين العداء الخارجي من تحقيق مآربه، واستمرار تراكم الآثام حتى يأتي الله بقوم يتورعون عن تحمل إثم أي ضحية وأي درجة من درجات المعاناة، ولا يتدافعون المسؤولية عن ذلك، ولا يستهينون بأن يتأخر النصر المرجو ولو للحظة واحدة.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *