د.بشار أحمد
يعد كتاب “الأمير” لنيقولا ميكافيللي،
من أهم الكتب في عالم السياسة، والتي تناولت أخلاقيات السياسة بشكلٍ مباشر، بحيث
أصبح هذا الكتاب بعد نشره عام 1532م، مرجعاً سياسياً مهماً للكثير من قادة العالم.
إلا أنه في نفس الوقت، أجمع أغلب النقاد، وخاصةً علماء الأخلاق الفرنسيين والبريطانيين،
أنّ هذا الكتاب بما حواه من أفكار ونصائح تحمل الكثير من معاني الانتهازية، لا يناسب
إلا الطغاة المستبدين.
وفي عالمنا المعاصر، لاقت أفكار ونصائح ميكافيللي
رواجاً كبيراً، حتى أن معظم طغاة العالم بنوا حكمهم على أفكاره ونصائحه، لدرجة أن
هتلر كان يضع كتاب “الأمير” تحت وسادته ويقرأ فيه كل يوم قبل النوم، كما
أن موسوليني جعله موضوعاً لأطروحة الدكتوراه التي قدمها في شبابه. أما في وطننا
العربي، فقد غدا كتاب “الأمير” مرجعاً حاكماً لفكر وسلوك العديد من طغاة
العرب، حيث تركوا ما ورد فيه من خير، وإن قل، وتواروا بين طيات ما هو خبيث فعملوا
به وأتقنوه أحسن إتقان، لدرجة بتنا نشعر فيها أنّ كتاب “الأمير”،
بنصائحه وتعاليمه، كان موجّهاً إلى بعض الحكام العرب وليس إلى لورنزو.
خلال سنوات حكمهم التي امتدت إلى أكثر
من 45 عاماً، استقى الأسد الأب والابن بعض أفكارهم وطرق حكمهم من كتاب
“الأمير”، معتمدين على المبدأ الشهير الوارد في الكتاب “الغاية
تبرر الوسيلة”
وفي سورية، لاقى كتاب “الأمير” تطبيقاً
عملياً في حكم آل الأسد، بحيث شكل هذا الكتاب مرجعاً حاكماً لفكر وسلوك الأسد الأب
والابن. فخلال سنوات حكمهم التي امتدت إلى أكثر من 45 عاماً، استقى الأسد الأب والابن
بعض أفكارهم وطرق حكمهم من كتاب الأمير، معتمدين على المبدأ الشهير “الغاية
تبرر الوسيلة”، الذي يدعو إلى أن يرمي الإنسان بأخلاقه ومبادئه وراء ظهره حتى
يفسح الطريق للوصول إلى أهدافه الدنيئة المنبثقة عن الأنانية وحب السيطرة والتحكم.
لم يتوان آل
الأسد عن استخدام كافة الطرق والأساليب في سبيل الاستمرار
في الحكم، والأمثلة كثيرة، إلا أنّ قساوة مجازر حماة في الثمانينات من القرن
العشرين، والإبادة الجماعية التي يتعرّض لها الشعب السوري منذ انطلاق الثورة
السورية عام 2011، يبقيان المثال الأبرز على وحشية حكم هذه العائلة.
فبعد أن كشفت أحداث حماة الوجه الحقيقي
لحافظ الأسد وعصابته، جاءت الثورة السورية لتكشف القناع عن وجه بشار الأسد، الذي لم يتوان
عن استخدام كافة الأسلحة المتاحة أمامه، بما فيها السلاح الكيماوي، لقمع الثورة
الشعبية، رافعاً شعار “أنا أو سورية “، وشعار “الأسد أو نحرق البلد
“، ليضع مصيره في كفّة ومصير سورية بأكملها وبكل طوائفها ومكوناتها في كفة
أخرى، متبنياً الخيار الشمشوني الذي يقوم على تعميم الشر (عليّ وعلى أعدائي)، وهو
ما يجسّد قمّة الانتهازية التي طغت على حكم آل الأسد منذ اغتصاب السلطة من قبل
الأسد الأب عام 1970، وحتى وقتنا الراهن، في محاولة من النظام لإشباع غروره الذي يدفعه لمحاولة تحقيق أهدافه بصرف
النظر عن التكاليف، وهي ما تشكل أحد نصائح ميكيافيللي التي تقول: “إنّ قتل الأبرياء شيء طبيعي من الممكن فعله من أجل الحفاظ على ملك
مغتصب”. وهذا ما وقع به بشار الأسد، حيث لم يوفر جهداً في سبيل إخضاع الشعب
السوري متبعا مقولة (أنا دوماً على حق، وغيري دوماً على باطل)، وربما هذا ما دفعه للتطاول على العديد من زعماء العرب معتبراً نفسه
أكثر تجربة ومعرفة منهم واصفاً إياهم بأنصاف الرجال.
كذلك لم يتوان آل الأسد عن إشعال الحرب
الطائفية والمذهبية خدمة لأهدافهم ومصالحهم، باعتبار أن الفتنة الطائفية هي الورقة
الرابحة بيد الطغاة. فخلال مسيرة الثورة السورية لعب الأسد الابن كثيراً على حبل
الطائفية والمذهبية، محاولاً أكثر من مرة إيقاع فتن طائفية ومذهبية بين مكونات
الشعب السوري، وهي تمثل أحد نصائح ميكافيللي التي يقول فيها: “على الأمير
العاقل أن يثير العداء بين الرعية بدهاء حين تسنح الفرصة”.
لم يتوان آل الأسد عن إشعال الحرب الطائفية والمذهبية خدمة لأهدافهم ومصالحهم،
باعتبار أن الفتنة الطائفية هي الورقة الرابحة بيد الطغاة، وهو ما ذكره ميكافيللي
في كتابه حين قال: “على الأمير العاقل أن يثير العداء بين الرعية بدهاء حين
تسنح الفرصة”.
ومنذ استلامهم السلطة، لم يحفظ آل الأسد عهودهم،
فتنصلوا من جميع عهودهم ووعودهم وبدأوا بتصفية من ساعدهم باغتصاب السلطة، بعد
أن تبنوا أبشع الوسائل اللا أخلاقية في تحقيق أهدافهم، كالاغتيال ونشر الرعب وتبني
العنجهية والكذب والدجل والتشبيح، واحتضان السجناء المجرمين الجنائيين. وربما يكون هذا الأمر أحد أبرز نصائح ميكيافيللي التي شكلت ميثاق عمل ومنهج
معاملات آل الأسد، والتي تقول: “على الأمير ألا يحفظ عهداً يكون الوفاء به ضد
مصلحته، وألا يستمر في الوفاء بوعد انتهت أسباب الارتباط به”.
وفي النهاية ربما غاب عن بشار الأسد نصيحة
ميكافيللي التي يقول فيها: “لا سلامة لأمير يحتمي بقوات مسلحة غير قواته
الوطنية، فالأمراء الذين هم في حاجة إلى أن يحميهم غيرهم لن يستطيعوا منازلة الأعداء
في ميدان القتال، وهم يضطرون للانسحاب إلى داخل المدن للدفاع عنها”، وهو ما
وقع به بشار الأسد بعد أن استعان بالميليشيات الطائفية الإيرانية والعراقية واللبنانية
وغيرها، متناسياً أن المرتزقة الذين يحاربون معه لن يستطيعوا أن يحموه للأبد، وأن
دفاعه عن مناطق محددة لن يعطيه طوق النجاة وإن طالت المعركة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث