الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / العملة الوطنية والحل السياسي

العملة الوطنية والحل السياسي

عمّار
الأحمد

يرفض
الإسلاميون أي ملمح للوطنية، وللقومية، وللمواطنة كذلك، وينطلقون من الأمة
الإسلامية في علاقتهم بأبناء بلادهم الأصلية وبها. هذا يسمح لهم بالانتقال من دولة
إلى أخرى، وتفضيل أبناء دولة أخرى من المسلمين عن أبناء دولتهم الأساسية من غير
المسلمين ومن غير المؤمنين. ولهذا وجدنا ميلاً رافضاً لكل بعدٍ وطنيٍّ للثورة
السورية، كما قالت عن نفسها في أعوام 2011 و2012 فالثورة لكل السوريين، ومن أجل
مستقبل أفضل للجميع.

جاء
قرار هيئةٍ شرعيةٍ باستبدال العملة الوطنية السورية بالعملة التركية، ليكرس الفهم
أعلاه، وليوضح التعارض المطلق بين الثورة وبين الإسلاميين، وليس المسلمين بالطبع،
وهم بكل الأحوال يمارسون استبداداً دينياً وطائفياً على الشعب في كافة المناطق
التي يسيطرون عليها.

يحرك
هؤلاء الإسلاميون دول خارجية، وتحديداً بما يخص القرار، تركيا. فالعملة عملتها،
والسوق السورية ستكون سوقاً ملحقة بها، والشعب سيتعامل بعملتها، وسيقبض أجوره بها،
وبالتالي فإن هذا الاستبدال هو محاولة لإلحاقٍ جزء من سورية بتركيا. ونقول ذلك في
إطار ما يتحقق في الشمال؛ فلجيش الفتح وأغلبية الفصائل في حلب مراكز أساسية في
تركيا، وتتحرك بالتنسيق مع الجانب التركي. وبالتالي، وبعد السيطرة العسكرية على
الأرض وإنهاء سيطرة الجيش الحر الوطني، تأتي عملية استبدال العملة.

إن الاتفاق التركي الأمريكي على منطقة خالية من المخاطر، يساعد على
تدخل تركي واسع ومتعدد الأشكال

الاتفاق
التركي الأمريكي على منطقة خالية من المخاطر، يساعد بدوره على تدخل تركي واسع
ومتعدد الأشكال ومنها مسألة العملة.

تركيا
تريد بذلك. وفي حال حدوث حلٍّ سياسيٍّ هي تريد أن يكون لها دورٌ مركزيٌ في
الاستثمارات الاقتصادية وفي الحكم كذلك، وما ذكرناه أعلاه سيدعم موقفها، وسيكون
ذلك تحصيل حاصل. وأما وفي حال لم يحدث الحل السياسي حالياً، فإن تركيا تفرض سيطرة
واسعة على الشمال السوري، وبالتالي إلحاقاً لتلك المناطق بها بالمعنى الاقتصادي
والسياسي والعسكري، وإن لم يصل إلى التقسيم، فالتقسيم قضية معقدة جداً، وغير
مطروحة على بساط البحث أبداً. المطروح بخصوص هذه النقطة تمثيل القوى المتنفذة على
الأرض في أي حل سياسي. وبوجود قوى مدعومة من تركيا فإنها لا شك ستحصد هيمنة معينة
في الحكم القادم.

السوريون
معنيون برفض قرار استبدال العملة السورية. فالعملة رمز وطني، وحين يتم استبدالها
بعملةٍ أجنبية فهو تعبير عن احتلال بلدٍ لآخر. الثورة لم تكن من أجل ذلك ولم يكن
للإسلاميين دورٌ مركزيٌ فيها، وبالتالي قرار الهيئة الشرعية هذا مصادرة لوطنية
الثورة وبالتالي بيعها لتركيا من أجل مصالح هؤلاء الإسلاميين.

السوريون
رفضوا دائماً هيمنة الإسلاميين على ثورتهم، رفضوها منذ بدايتها حينما قالوا: لا
سلفية ولا إخوان. ورفضوها لاحقاً بمظاهرات ضد داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام، وضد
كل التنظيمات التكفيرية والأصولية. عدم قدرتهم على تحييد الإسلاميين لا يعني بحال
أنهم موافقون على تحكمهم في المناطق التي حررها الناس قبل ظهور التكفيريين
والأصوليين.

المبادرة الإيرانية، والتدخل التركي، واللقاءات الأمريكية الروسية
السعودية، توضّح عمق أزمة النظام وضرورة الحل السياسي.

الثورة
وصلت إلى مفترق طرق، والمبادرات لحل الوضع السوري تتكاثر، وتأتي جميعها بسبب الضعف
الشديد لجيش النظام وتفضيل النظام المحافظة على مناطق محددة ليتمكن من الصمود
فيها، وبالتالي لم يعد أمام النظام سنوات إضافية، بل ربما أشهر للوصول إلى الحل
السياسي. والمبادرة الإيرانية والتدخل التركي واللقاءات الأمريكية الروسية
السعودية، توضّح عمق أزمة النظام وضرورة الحل السياسي.

إذا
سورية، وليس فقط الثورة، على مفترق طرق، فما يُطرح لها من حلٍّ طائفيٍّ إيراني هو
أمر لن يقبل به السوريون، والتدخل التركي كما أوضحنا أشكاله، أيضاً يذهب بسورية
نحو حلٍّ يخدم هيمنة الدول الخارجية وأسلمة الحل، وأيضاً هو ضد مصالح السوريين.

الواقع
معقّد، فالمعارضة ضعيفة وهامشية، وقوى الجهاد قوية، وقوى الأصولية كذلك، ومليشيات
النظام أيضاً قد تأخذ شكلاً طائفياً صرفاً في المرحلة القادمة، ولكن كل ذلك ليس
تعبيراً عن السوريين، بل هو تعبيرٌ عن التدخل الإقليمي والدولي في الشأن السوري؛
النظام أسس لذلك نعم، والمعارضة وافقت حينما أدخلت الإخوان في هيئاتها وقالت عن
جبهة النصرة أنها فصيل في الثورة، وهذا صحيح.

إن التعقيد القائم حاليا في الوضع السوري وُجد من أجل منع حلٍّ سياسي
ينقل سورية نحو دولة لكل السوريين

تعقيد
الواقع هذا لا يعني أنه سيستمر بحالته هذه، ولا يعني أنه سيفرض نفسه على الحل
السياسي، بل إن هذا التعقيد كان من أجل منع حلٍّ سياسي ينقل سورية نحو دولة لكل
السوريين.

وكي
لا نبدو جلادين للآخرين ومبرئين للذات، فإن السوريين معنيون، وقد اقترب الحل
السياسي، بالتخلص من تشوش رؤيتهم له برفض كل حل طائفي، تعمل من أجله إيران أو
سواها، ورفض كل هيمنة على قراراتهم، والعودة للعمل من أجل حلٍّ سياسيٍّ يفكك
النظام وينقل سورية إلى صراع سياسي ودولة مؤسسات وإطلاق مشاريع اقتصادية وإعمار
البلاد وفق خطة وطنية بامتياز.

الحل
لم يعد بعيداً كما تقول اللقاءات المتسارعة، وبسبب ضعف النظام؛ وبالتالي هناك
ضرورة من أجل تحقيق أهداف الثورة السورية في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية
والسيادة الوطنية، وإنهاء كل المشاريع غير الوطنية أو الفئوية أو الإلحاقية بالدول
المحيطة بسورية، وأن تكون العلاقة مع كافة دول العالم علاقة ندية؛ فكل دول العالم حاولت
تخريب الثورة وبسورية، ولا يحق لأية دولة أن تهيمن على القرار السوري.

الآن
لدى السوريين فرصة حقيقية، فهل تتحقق أحلام 2011 و2012؟ اعتقد بأن ذلك ممكنٌ.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *