الرئيسية / رأي / المهمة المستحيلة

المهمة المستحيلة

ثائر الزعزوع

تعرض صالات السينما العالمية حالياً النسخة الجديدة من فيلم توم كروز “المهمة
المستحيلة”. وكعادته في كل جزء من أجزاء هذه السلسلة التي تجني ملايين
الدولارات، فإن توم كروز يتغلب على الأعداء ويستطيع تنفيذ المهمة المستحيلة
الموكلة إليه، بالإضافة إلى الفوز بفتاة جميلة. وللتذكير فقط، فإن المبعوث الأممي
السابق إلى سوريا، الأخضر الإبراهيمي، كان قد وصف مهمته في سوريا بالمهمة
المستحيلة قبل أن يقرر الاستقالة من منصبه دون أن يحقق أي شيء، لكنه حصل على
مكافأة مادية مجزية، وفصولاً أخرى تضاف إلى مذكراته التي أمضاها في الفشل، مثلما
تقول سيرته الشخصية. على العموم اليوم نقف نحن السوريين على حافة شبيهة بتلك
الحافة التي يقف عليها توم كروز في كل جزء من الأجزاء، معلقين بين السماء والأرض
دون أن يكون لدينا أي أمل بأن تمتد يد ما وتنقذنا، لكننا ورغم السوداوية التي تغلف
أحاديثنا وحكاياتنا، بل وحتى كتاباتنا، فإن ثمة أملاً ما زال يداعب مخيلتنا بأن
يتحقق النصر قريباً، وأن تنتهي هذه المأساة ونصل إلى الضفة الأخرى التي دفعنا
ثمناً باهظاً لها.

لماذا علينا أن نتفاءل؟ هذا سؤال قد يواجهنا في كل مكان. وما هي ضمانات
تفاؤلنا؟ وهل يمكننا أن نلقي بأحمالنا على مجهول قد يظهر فجأة ويأخذ بيدنا وينقذنا
قبل السقوط في عدة احتمالات لا نريدها ولم نفكر فيها، يبدو التقسيم أقربها ولا
تبدو الحرب الأهلية بعيدة عنها؟ طبعاً نحن لم نصل إلى ما تجهد بعض وسائل الإعلام في
وصفه بالحرب الأهلية، فنحن نعيش حالة صراع دام بين فصائل متناحرة، يهدف نصفها، إن
لم يكن أكثر من ذلك، إلى الفوز بالسلطة، والصعود على رأس الهرم. وكنت قد لفت
الأنظار في مقال سابق إلى بائع مازوت يحكم منطقة بأكملها، وهذا ليس خيالاً بل هي
حقيقة، ويستطيع أي مستعرض للتواريخ الشخصية لبعض قادة الكتائب أن يكتشف هذه
الحقيقة، وأنا هنا لا أقصد التقليل من قيمة بائع المازوت، لكني أريد الإشارة إلى
غياب أي شرط سياسي حقيقي داخل منطقة الصراع، بما في ذلك مؤسسة العصابة التي تحتل
دمشق، فهي لا يمكن اعتبارها سلطة سياسية مهما حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية،
ومن بينها قناة البي بي سي البريطانية الناطقة بالعربية، تسويق ذلك. فبشار الأسد
لا يعدو كونه زعيم عصابة غبياً ليس قادراً على إنقاذ ما تبقى من أفراد عصابته
والفرار بجلده على الأقل. وقد بدأت العصابة الصغرى، والتي هي عائلة الأسد، بالتفكك
من الداخل، وبدأت الصراعات والتصفيات تظهر ما بين أفرادها، وقد لا نشهد مرحلة
اقتتالهم العلني لأن الأسد سيكون قد أسقط قبل ذلك بقليل، وهذا هو ما يدعو للتفاؤل
حقاً.

يبدو المشهد فانتازياً نوعاً ما، لكنه مشهد محتمل تلفزيونياً، وسينمائياً
أيضاً. فما يدور في قاعات الاجتماعات المغلقة لا تنقله ميكرفونات الفضائيات
لمشاهديها الأعزاء الذين يكتفون بما تقدمه لهم من فتات المعلومات، لأن المعطيات
كلها تشير إلى أن ثمة ثمناً مادياً كبيراً تلقاه داعمو زعيم العصابة، وأن هذا
الثمن هو ما سيجعلهم يغيرون مواقفهم، لا بالإعلان في مؤتمر صحفي كما يتوقع بعض المساكين،
لكن بشكل تدريجي، علينا أن نتابع إشاراته واحدة واحدة كما تقول قارئة الفنجان. وما
دمنا في إطار الحديث عن التفاؤل، ألا تعني لكم شيئاً تلك الهزائم المتلاحقة التي
يمنى بها مقاتلو عصابة بيت الأسد أينما توجهوا؟ هم في الحقيقة صاروا أشبه بمن
يمثلون دوراً في واحد من أفلام المغامرات التي يكون فيها البطل خارقاً وقادراً على
مواجهة جيش بمفرده. صور فرار الجنود هي الأكثر انتشاراً على مواقع التواصل
الاجتماعي، كما أن صمود داريا الأسطوري هو دليل كبير على أن العصابة لا تستطيع فعل
شيء، ولن نذهب بعيداً لنقول الزبداني، فتلك المدينة الجميلة الساحرة لم تقهر جيش
العصابة فقط، بل قهرت مرتزقة حسن نصر الله وجعلتهم يتبعثرون بين صخور الجبال، غير
قادرين على تصور ما سيحدث لهم بعد ذلك.

كل هذا يجعلنا نتفاءل، نفكر ولو للحظات بتفاؤل. نعم، حجم ألمنا كبير،
الثمن الذي دفعناه باهظ جداً، لكن مهمتنا لنيل حريتنا ليست مستحيلة، وليسقط الأخضر
الإبراهيمي.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *