الرئيسية / منوعات / منوع / سوريو الثورة السلْميّون

سوريو الثورة السلْميّون

خضر الآغـا

في 13/7/2013 خرجت في حي الميدان وسط
دمشق، مظاهرة ضد النظام، أطلق عليها الناشطون اسم “مظاهرة المثقفين”،
وذلك ليثبتوا للنظام وللعالم أن المثقفين أيضاً ضده، بعدما أشاع النظام أن
المظاهرات هي مظاهرات رعاع ومتخلفين وهمج، وأن المثقفين (المحترمين) لم ولن يشاركوا
فيها.
احتشد الناس وبدأت المظاهرة وسط طوق أمني يحيط بها من
جهاتها كافة، ووسط مجموعة من الشبيحة الذين يريدون عرقلة المظاهرة عبر التحرش
بالمتظاهرين وافتعال مشاجرات تتحول معها المظاهرة إلى مشاجرة. في مقدمة المظاهرة
كان هناك شاب يهتف ويهتف وراءه المتظاهرون بالشعارات التي أرادوا إيصالها. جانب
المظاهرة كان هناك شبيح يهجم، بين الفترة والأخرى، من بين المتظاهرين، على الشاب
الذي يهتف فيضربه ويعود، وقد حصل الأمر مراراً، فما كان من بعض شباب المظاهرة إلا
أن هجموا على الشبيح ورموه أرضاً وحاصروه في مكان ضيق. لقد كان هناك باب منزل،
وكان الرصيف أعلى من الباب، ولكي يتمكن أصحاب المنزل من فتح الباب وإغلاقه صنعوا
مايشبه حفرة على شكل مستطيل أمام الباب. في هذا المستطيل تم إيقاع الشبيح، حيث انهال
عليه بعض المتظاهرين ضرباً، وعندما وجدوا أن حالته ساءت، ولم يعد قادراً على
التنفس، تدخل بعضهم وأبعد البقية عنه، ثم عادوا إليه وقاموا بعملية تهوية ليتمكن
من التنفس، ورش بعضهم عليه ماء ليصحو تماماً. في هذه الأثناء كانت قوات الأمن
تدخلت على نحو مسعور وفرقت المتظاهرين واعتقلت حينها عدداً كبيراً جداً منهم.

خلال عملية ضرب الشبيح التي
استغرقت زمناً قياسياً، حوالي الدقيقة ربما، كان يجري حوار سريع:

-خلص شباب، ما بدنا نضربه.

-يا رجل، شفت شو عمل؟

-اي، بس نحنا ما منعمل متلو، بنصير
متلو بعدين.

-بالفعل، النظام ناطر شغلة من
هالنوع مننا ليقول أنو عمنقتل العالم.

بعضهم، بالغ في الإنسانية، وقال
للشبيح المضروب: “قوم يا أخي، شو بدك فين، طالع فايت عمتضربن؟”.

هذه الحادثة هي واحدة من مئات
الحوادث المشابهة، حيث أن السوريين المشاركين في الثورة أو المناصرين لها، كانوا
مخلصين لأبعد الحدود لشعار الثورة الرئيس: السلْميّة. نحن نتذكر الآية القرآنية
التي رفعوها على شكل لافتة لفترة طويلة في مختلف المحافظات والمدن السورية، وهي:
“لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط إليك يدي لأقتلك”. وقد تم
الأمر فعلاً لثمانية شهور من عمر الثورة، فقد واجه المتظاهرون خلالها أسلحة النظام
بكافة صنوفها بهتافهم ذاته: سلْميّة، سلْميّة. كان بإمكانهم منذ البداية بجموعهم
الحاشدة ردع أو قتل أي شبيح يمارس عليهم توحشه وهمجيته، لكنهم ما كانوا يريدون أن يفعلوا
ذلك مها اشتد بهم الضيق، وامتنعوا بوعي شديد أن يمارسوا أية أعمال عنف كان النظام
يريدهم أن يفعلوها ليبرر أمام مؤيديه وأمام العالم عنفه ضدهم.

في مظاهرات أخرى، كانوا يشكلون
مايشبه “قوات حماية” تطوّق المظاهرة عندما تمر أمام بيوت أو محلات أحد
الشبيحة، الذين سبق أن شبحوا على المعارضين أو على المتظاهرين، لئلا يقوم أحدهم
تحت موجة غضب بالتهجم على بيته أو محله، حتى لو استدعى ذلك منعه بالقوة. في الحجر
الأسود، أحد أحياء دمشق، تم ضرب أحد المتظاهرين من المتظاهرين أنفسهم لمحاولته
التهجم على منزل شبيح في الحي الذي خرجت فيه مظاهرة، كي لا تتحول مظاهرتهم إلى عمل
انتقامي بسيط، فقد كانوا على وعي كبير أن مظاهرتهم هذه لأجل سوريا كلها، وليس لأجل
الانتقام من شبيح.

هكذا هم السوريون الذين طالبوا
بالحرية والكرامة، هذا هو معدنهم. لكن الذي حدث وكلنا نعرفه تماماً، أن النظام
تمادى في جبروته على نحو لم يحدث في دول الأرض، لا القديمة منها ولا الحديثة،
فالتجأ الناس لحمل السلاح كطريقة وحيدة لا مهرب منها، لحماية أنفسهم وأعراضهم
وبيوتهم وأطفالهم… بعض المتظاهرين الذين كانوا يشكلون “قوات حماية”
لمنع متظاهر ما من التهجم على بيت شبيح أو محله، حملوا السلاح؛ المتظاهرون
السلْميّون ذاتهم، حملوا السلاح.

لكن، يمكن القول إن ما أراده
النظام من إجبار الناس على حمل السلاح ليبرر قتلهم، ارتدّ عليه، وانقلب السحر على
الساحر، وراح يتهاوى شيئاً فشيئاً.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *