الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / موتٌ في سوريا وتحدٍ في إسبانيا

موتٌ في سوريا وتحدٍ في إسبانيا

اختلفت المحطات التي حطت فيها
رحال السوريين الهاربين من الموت إلى شواطئ النجاة خارج البلاد الموجوعة، ففتحت
بعضها أبوابها للقادمين، فيما أغلقتها محطات أخرى. لكن السوريين أينما حلوا
يحاربون اليأس بالعمل، ويواجهون الموت بالحياة.

حنين عتيق

حلا، شابة في العشرينيات من عمرها تتخلى
عن حلم دراسة الفنون الجميلة، إذ لم يعد للسوري الحق بترف تحقيق الأحلام البسيطة، وتنشئ
في إسبانيا مشروعا صغيرا ينقذ عائلتها من الجوع.

هي ابنة عائلة سورية فلسطينية، نال
الأجداد فيها نصيبهم الكبير من وجع النزوح في التغريبة الفلسطينية، وورث الأولاد
هذا الوجع ليعيشوه في التغريبة السورية الكبرى.

كان المهندس علي دودية وعائلته يسكنون
مخيم فلسطين بدمشق، حيث يملك الأب مكتبا للتصميم الهندسي، وتعمل زوجته لبابة،
خريجة قسم الكيمياء، في مختبرات الجامعة. لكنهم، كآلاف الأسر السورية، شردتهم هذه
الحرب التي صنعها نظام مجنون كان عليه أن يقتل كل شيء كي يبقى.

ضرب النظام المخيم وأدخل عليه المجموعات
الإسلامية، حتى صارت الحياة فيه أضيق من أن تعاش. ضاع البيت وضاع المكتب، وكان لا بد
من ترك كل شيء، وحزم ما تبقى من ذكريات، والسفر لأي مكان ممكن.

كانت إسبانيا نصيب هذه العائلة، التي
جاءتها وكلها أمل أن تجد فيها حياة جديدة بعد رحلة اللجوء الطويلة والمضنية. يقول
أبو فريد: “لقد أتينا ولم نكن نعرف أي شيء عن البلد، كنا فقط نريد الهرب
بأرواحنا، وكنا ككل السوريين، نحلم بالحياة الكريمة”.

لم تكن العائلة تعرف ما الذي
ينتظرها في إسبانيا، لكنه كان لا بد من الهرب من الموت الرابض في كل زاوية في مخيم
فلسطين، وفي كل المناطق الثائرة في سوريا

لم تكن العائلة تعرف ما الذي ينتظرها، لكنه
كان لا بد من الهرب من الموت الرابض في كل زاوية في مخيم فلسطين، وكان حلم أوروبا
كبيرا وجميلا، كحاله في أعين معظم السوريين؛ حلم كبير من دون أية حسابات.

وصلت العائلة إلى إسبانيا وطلبت اللجوء حيث
تم تحويلها إلى سنتر أو مركز للاجئين، لتعيش فيه لمدة عشرة أشهر، ثم لتتركه مراهنة
على الشهادات الجامعية التي يحملها ثلاثة أفراد من الأسرة. تقول السيدة لبابة: “كنت
أعتقد أننا نملك تحصيلا علميا كافيا لنعيش مكرمين على الأقل، ولم أكن أتوقع أن
تكون الحياة هنا بهذه الصعوبة. فجأة وجدنا أنفسنا بحالة لم يمر علينا أصعب منها؛ غربة
ولجوء وذل وخسارة لبيتنا وكل ما رتبناه طيلة ثلاثين سنة من التعب”.

هكذا مشت الحياة بأقدامها الموحلة على
أحلامهم وكان لا بد من مواجهة هذا الوحل.

تقول حلا، الابنة الوسطى للعائلة:
“هذا النظام المجرم أفقدنا كل شيء؛ بيتنا الحبيب ومكتب أبي، الذي أمضى عمره في
حلم أن يملكه. كما خسرنا حياتنا هناك في دمشق، المدينة الأغلى والأجمل من كل بقاع
الأرض، خسرت جامعتي وحلمي بأن أتخرج من كلية الفنون الجميلة. والآن، أدركت أن أهلي
بوضع صعب جدا، وأنه لم يعد هناك وقت أفكر فيه بدراسة الفنون. أجيد الإسبانية
وأتكلمها بطلاقة، حركتي وتنقلي أسهل من والدي، فكان لا بد من قرار المحاولة بإنشاء
عمل يحافظ على الحد الأدنى من الحياة”.

حلا: “إن عزاءنا الوحيد
أننا ننقل بعضا من ثقافةٍ سورية عمرها آلاف السنين إلى الإنسان الإسباني”

تابع حلا: “جاء قرار افتتاح مطعم
صغير في الكوبندس في مدريد كأفضل الحلول الممكنة. استدنا مبلغا من المال وبدأت
بتجهيز الأوراق المتعبة جدا في هذا البلد الغريب. وبعد ثلاثة أشهر من العذاب
اليومي، تم افتتاح المطعم، وقد كنا جميعا مصرين على تسميته باسم “مطعم دمشق”،
وعلى أن تكون الروح الدمشقية حاضرة فيه في كل لحظة.

حاولنا بأبسط التكاليف، أن نجهز فيه
ديكورا دمشقيا وفلسطينيا بمشاركة للخط العربي، وسنحاول دائما أن نقدم فيه طعم دمشق
طازجا وشهيا.

إن عزاءنا الوحيد أننا ننقل بعضا من ثقافة
سورية عمرها آلاف السنين إلى الإنسان الإسباني.

تقوم أمي، وهي خريجة الكيمياء، بإعداد
الطعام اللذيذ ذي الجودة العالية، وأنا أستقبل الزبائن وأخبرهم عن مأكولاتنا،
وأهتم براحتهم وأحضر لهم ما يطبلون، ويقوم والدي، مهندس الديكور، بالإشراف العام على
المطعم.

لقد أصبح هذا المطعم الآن بيتنا ووطننا
الذي فقدناه، نعمل فيه أكثر من اثنتي عشرة ساعة باليوم، لكننا سعداء فعلا بما
أنجزنا في بلد غريب لا يقدم للسوري القادم إليه هاربا من الرصاصة أي مساعدات، ويتركه
عرضة للتشرد والضياع من جديد”.

نعم هذا هو حال الدمشقي في إسبانيا،
الدمشقي الذي حوله نظام الأسد، والعالم النذل، وهذه البلد المنهكة، إلى لاجئ بدون
أي حقوق.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *