د.بشار
أحمد
“الوطن
ليس لمن يسكن فيه، وليس لمن يحمل جواز سفره أو جنسيته، الوطن هو لمن يدافع عنه ويحميه”،
اعتراف خطير أطلقه بشار الأسد في لقائه الأخير مع ممثلي المنظمات النقابية والمهنية وممثلي الغرف السورية، يلخّص
واقع وحقيقة لعبة خبيثة لإجراء تغييرات ديمغرافية وإعادة توزيع السكان في سورية، وفقاً
لمعايير إثنية وطائفية.
اعتراف يعيدنا إلى حقيقة وأهدف العديد من الممارسات
الحاقدة التي طبقها النظام السوري على الأرض منذ انطلاق الثورة السورية، والتي ترافقت
مع تشريعات وقوانين عززت هذه القناعة، في استنساخ واضح وجلي لاستراتيجية الكيان
الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي تقوم على الاستيلاء على قرى وأراضي
الفلسطينيين ومنحها للمستوطنين اليهود من أجل فرض أمر واقع على الأرض والتعامل معه
لاحقاً على أنّه حقيقة.
فمنذ
انطلاق الثورة السورية، لم تكن ممارسات النظام الطائفي بحق الثورة السورية وشعبها
الثائر من قبيل معاقبة سكان المناطق الثائرة فحسب، بل دخلت ضمن إطار لعبة أكبر وأوسع
تهدف إلى إحداث تغييرات ديمغرافية في سورية تسهّل على الأسد وأعوانه إقامة دويلة
طائفية، في حال فشله في قمع الثورة السورية.
هناك الكثير من الأدلة على سعي نظام الأسد لإحداث تغييرات في ملامح
المجتمع السوري وطقوسه الدينية، وسعيه للتغيير الديموغرافي في سورية.
الأدلة
على سعي نظام الأسد لإحداث تغييرات في ملامح المجتمع السوري وطقوسه الدينية وسعيه
للتغيير الديموغرافي في سورية كثيرة، حيث بدأت هذه المحاولات تظهر بشكلٍ مبكر من
خلال تهجير العديد من سكان المدن والقرى السورية، حيث نالت محافظة حمص النصيب
الأكبر من عمليات التهجير، ولعل المساحة الجغرافية
الواسعة لمحافظة حمص، ووجود قرى وأحياء علوية عديدة فيها ومتاخمتها للحدود
اللبنانية ذات الأغلبية الشيعية، ووقوعها ضمن مخطط الدويلة العلوية التي يعمل
النظام على إنشائها، قد ساهم في هذا القدر الكبير من التهجير والقتل لسكانها السنة،فشهدت هذه المحافظة لوحدها تهجير أكثر من 70 بالمئة من سكانها السنة، إلى
جانب تدمير قسم كبير منها، وخاصةً البلدات والقرى السنية التي على تماس مباشر مع
القرى العلوية. تعززت هذه الأدلة من خلال التدمير الممنهج لبعض المدن والبلدات
السورية الأخرى، والذي تخطّى بأضراره وقسوته الدمار الذي خلفته الحرب العالمية
الثانية، ترافق مع ارتكاب مئات المجازر الذي راح ضحيتها عشرات الآلاف من السوريين
في المناطق الثائرة والمناطق المجاورة لمناطق العلويين، والأمثلة كثيرة على ذلك
كمجزرة الحولة، ومجزرة التريمسة، ومجزرة بانياس والبيضا وراس النبع، ومجزرة
الكيماوي بالغوطة إلخ… وإذا أمعنا النظر في جغرافية هذه المجازر رأينا أن معظمها
تقع إما ضمن حدود الدويلة الطائفية التي يسعى النظام لإقامتها، أو على حدودها
المباشرة والقريبة منها، وذلك بهدف إعطاء عمق داخلي للدويلة العلويّة المفترضة على
الساحل السوري، على اعتبار أنّ الشريط الساحلي لوحده لا يمتلك مقومات دويلة، وليس
لديه أي عمق، وسيكون محاصرا من السنّة.
إحراق
دوائر السجلات المدنية والعقارية في المدن والبلدات الثائرة، ضمن حملة الأرض
المحروقة التي اتبعها نظام الأسد بحجة محاربة الإرهاب، هو استكمال لخطة النظام في
فرض أمر واقع جديد، يمنع المهجرين من العودة
استكملت
هذه الإجراءات أيضاً من خلال إحراق دوائر السجلات المدنية والعقارية
في المدن والبلدات الثائرة، ضمن حملة الأرض المحروقة التي اتبعها نظام الأسد بحجة
محاربة الإرهاب، ما ترك معظم البيوت والأراضي التابعة لسيطرته، دونما مالك قانوني،
مما سهّل على ميليشياته فرض
سيطرتها عليها. ترافق ذلك مع تشريعات تسهّل عمليات شراء وتملك العقارات من قبل
الميليشيات الطائفية، حيث شهدت مناطق عديدة من سورية تملّك الإيرانيين للعقارات،
وقد بدأت من محافظة حمص، ثم انتقلت إلى العاصمة دمشق، كالسيدة
زينب وأحياء دمشق القديمة كشارع الأمين وحي المهاجرين، ومناطق
أخرى في سورية، حيث تسير عمليات الشراء والتملك هذه بوتيرة سريعة ومنظمة، توحي بنيّة
إيرانيّة – أسديّة لتوطين أعداد كبيرة من الشيعة في سورية.
كما عمل
النظام أيضاً على تجنيس أعداد كبيرة من الشيعة اللبنانيين والعراقيين والأفغان بهدف
التلاعب الديموغرافي في المنطقة، وبدا هذا التلاعب واضحاً في محافظتي حمص
والسويداء، حيث أثار هذا الأمر الكثير من المخاوف والهواجس المرتبطة بسيناريوهات
المرحلة المقبلة، خاصة أنّ ذلك جاء مترافقاً مع قيام النظام بالتركيز على عملية
إبادة وتهجير ممنهجة لبعض المناطق، والتي ترافقت مع إحراق العديد من مراكز تسجيل
الملكيات ومباني التسجيل العقاري.
اقترنت
جميع هذه الإجراءات بتشريعات جديدة تسهّل هذه الأمور، كالتشريع الذي يلغي تأشيرات
الدخول بين سورية والعراق في سبيل تسهيل مرور المقاتلين العراقيين الشيعة إلى
سورية، والتشريع الذي يدعو مخاتير المناطق لتقديم المنازل الفارغة من سكانها لعائلات
المقاتلين الذين يقاتلون إلى جانب النظام، والتشريع القاضي بإحداث منطقتين
تنظيميتين في نطاق محافظة دمشق ضمن المصوّر العام لمدينة دمشق، والذي يهدف بالأساس
إلى معاقبة سكان تلك المناطق وهدم بيوتهم بحجة التنظيم.
لعبة الأسد-إيران نسخة طبق الأصل عن اللعبة الصهيونية، التي بدأت منذ
أكثر من مئة عام وما زالت مستمرة، وهي تتمحور حول محاولة تغيير الواقع الديمغرافي
في المنطقة.
وعليه،
فقد بات واضحاً أنّ الهدف الأساسي من جميع هذه الإجراءات هو تغيير الواقع الديموغرافي
في سورية، والعمل على فرض أمر واقع يمنع عودة المهجّرين، وتدمير أي دليل يدل على
وجودهم أو حقوقهم في تلك المدن والقرى، لتكون لعبة الأسد-إيران نسخة طبق الأصل عن
اللعبة الصهيونية التي بدأت منذ أكثر من مئة عام وما زالت مستمرة عبر تهجير
الفلسطينيين وتوطين اليهود مكانهم، في محاولة منه لتغيير الواقع الديمغرافي في
المنطقة، وهو ما يسعى له النظام السوري ومعه النظام الإيراني، عبر محاولتهم فرض أمر
واقع على الأرض والتعامل معه على أنّه حقيقة في أي تطورات مستقبلية قد يتمخض عنها،
أي حلول قد تقوم على أساس طائفي–مذهبي. الأمر الذي يتطلب تظافر كل الجهود من جميع السوريين الشرفاء وبذل كل الطرق
لإفشال هذا السيناريو الأسدي–الإيراني وهزيمته نهائياً لصالح الإبقاء على سورية
موحّدة دون أن يكون للمرتزقة الغرباء من قتلة الشعب
السوري أي دور أو ملكية فيها، فسورية للشعب السوري وليس لمن يقتل أهلها ويشرّد
ساكنيها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث