أحمد العربي
ليس المقصود بالعنوان، كما سيعتقد من يقرأه
للوهلة الأولى، سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وليست الفتنة الكبرى هي مقتله،
وإن كان يطلق عليها هذا الاسم. ولكن عثمان المقصود تتشابه قصته بدرجة كبيرة مع قصة
سيدنا عثمان، فلا يجمعهما الاسم فقط، بل الكرم بالدرجة الأولى والتضحية بالنفس،
والأهم هو حدوث فتنة كبرى بعدهما رغم أنهما ضحيا بنفسيهما في سبيل وقفها.
هو عثمان العبيدي (الأعظمي) ابن التسعة عشر
ربيعاً، فدائي حادثة جسر الأئمة، كما يسميه العراقيون. صار اسم الشاب السني “عثمان
العبيدي” حديث كل بيت عراقي، وبات يجسد نداءً لحشد القوى من أجل الحفاظ على وحدة
البلاد أرضاً وشعباً، بعد أن أنقذ ستة أشخاص من الزوار الشيعة خلال حادث التدافع على
“جسر الأئمة” ببغداد، والذي أسفر عن مصرع أكثر من ألف شخص، وذلك قبل أن تبتلعه
مياه نهر دجلة.
فبمجرد سماعه نداءات المساعدة قفز الشاب عثمان إلى
النهر، حيث كان العشرات من الزوار الشيعة يغرقون في المياه بعد أن سقطوا من فوق الجسر
الذي يربط حي الأعظمية السنية بحي الكاظمية الشيعي حيث ضريح الإمام موسى الكاظم، الذي
كانت مئات الوفود متوجهة إليه للاحتفال بذكرى وفاته يوم الأربعاء 31-8-2005.
وتمكن العبيدي من إنقاذ ستة أشخاص، لكن حينما عاد
لينقذ السابع خذلته قواه، وابتلعه النهر.
ومع تداول العراقيين لقصة العبيدي، ألصق البعض من
سنة وشيعة، صوره المكبرة على الجدران في أنحاء الحي الذي كان يقطنه، كما ترتفع صورته
أمام اثنين من المساجد الرئيسية، أحدهما سني والآخر شيعي.
وقد علق “علي العبيدي” والد عثمان، وهو
يتقبل العزاء من العديد من الزائرين: “أنا فخور حقاً بابني الوحيد، لقد كنت فور
علمي بالنبأ شديد الاضطراب، لكن حينما علمت أنه غرق بعد أن أنقذ عدة أشخاص تبدد الألم”.
ندرك جميعاً البطولة في قصة “العثمانين”،
ولكن هل نفهمها كما فهمها كلاهما؟ وهل حققت تضحيتهما الأهداف التي كانا يرجوانها؟
لا أعتقد، فسيدنا عثمان يُفهم اليوم رفضه التنازل عن الخلافة تمسكاً بالحكم ورغبة
فيه، وليس كما كان يقصد حفاظاً على الشرعية ونظام الحكم الذي إذا اختل ستدخل الأمة
في فتنة تودي بأرواح الآلاف من المسلمين، وهو ما حدث بالفعل بعد قتله، ورأينا
بطولة عثمان العبيدي من زاوية أنه سني ضحى بنفسه لينقذ شيعة يغرقون في زمن
الطائفية المقيتة، وليس من زاوية وطنية كونه عراقي ومن يغرقون هم أبناء بلده، ولا
حتى من زاوية إنسانية. وسرعان ما نسيت قصة عثمان العبيدي، ولم تفلح تضحيته في
إخماد نار الفتنة كما اعتقد وهو يضحي بنفسه، كما نسي من قتل سيدنا عثمان أنه الحيي
ذو النورين ومجهز جيش العسرة، ومن ضحى بكل ماله ليسقي المسلمين من بئر رومة. كل
تلك التضحيات والجهود لم تفلح من “العثمانين” في وئد الفتنة، ولن تفلح
تضحيات غيرهم طالما نحن شعب بذاكرة معدومة أشبه بذاكرة السمك، لا تستطيع الاحتفاظ
بالآلاف من القواسم المشتركة، وبذكريات مئات السنين من التآخي والعيش المشترك في
بلاد واحدة. فعند أول هزة في أي بلد، ننسى كل ذلك، ولا نتذكر سوى بضع المسائل
الهامشية التي تفرقنا. لننقسم بدموية سنة وشيعة، عرباً وكرداً، طوارق وتابو، عرباً
على المذهب المالكي وأمازيغ على المذهب الإباضي.
وعندما ننهي تلك الانقسامات، لن نعدم الوسيلة
للتناحر، فقد نصل إلى خلاف ذكر وأنثى. في هذه البلاد، نحن لا نحتاج لعثمان يضحي
بنفسه فهذا لن يجدي، بل جل ما نحتاجه هو منشط للذاكرة فقط.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث