جريدة الحياة/
من البديهي بمكان، أن المجتمع المدني في أيّ بلد هو الشريك الأساس والمهم للحكومات في حمل أعبائها المتعددة الإتجاهات (خدمية، تعليمية، صحية…). فكيف الحال في بلد مثل سورية تعيش حرباً شنيعة منذ أكثر من خمس سنوات، باتت خلالها الحكومة عاجزة عن القيام منفردةً بالخدمات المطلوبة؟
وخلال زيارتي لبلدة السلمية، الواقعة على مشارف البادية، والتي عانت ولا تزال على مختلف المستويات، وأهمها على الإطلاق الماء والكهرباء، لمست مدى أهمية وجود مجتمع مدني حريص كلّ الحرص على أن تبقى تلك البلدة حاضرة الفكر والحياة، مثلما هي حاضرة الفقر بمختلف تجلياته، بحكم موقعها الجغرافي الذي جعلها مدينةً صحراوية بامتياز، باستثناء مزروعات مروية قليلة، وبحكم عدم وجود مرافق حكومية توظّف أبناءها إلاّ في ما يتعلّق بالمسائل الأساسية، كدائرة النفوس أو مخفر الشرطة وما شابه. فهي اليوم، وبفعل الحرب التي طاولتها بتفجيرات لا تزال ماثلة في ذاكرة أبنائها نظراً لفداحتها وبشاعتها، ما جعلها مدينة الشهداء بامتياز، مدينة تحتاج لكل لمسة حياة، باعتبارها حاضنةً للآلاف من المُهَجَّرين من محافظات أخرى. وهذا ما استدعى إلى قيام عدد من أبنائها الناشطين في هيئات متعددة بواجبهم تجاهها عبر مجلس المدينة، جمعية العاديات، جمعية أصدقاء سلمية، إضافةً إلى جمعية البر والخدمات الاجتماعية، وكذلك المجلس الإسماعيلي الوطني، وأخيراً شبكة الآغا خان للتنمية وهي الـــشريك الأهم على الإطلاق، باعتبارها مجموعةً من البرامج والمنظمات الدولية التنمــوية اللاّطائفية التي تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية، وإيجاد فرص جديدة للفقراء، وتحسين جودة الخدمات الاجتماعية، وتقوية مؤسسات المجتمع المحلي. وتركّز برامج الشبكة على الصحة والتعليم، القروض، الثقافة، السياحة، التنمية الريفية، الدعم المؤسساتي، والترويج لمفهوم التنمية الاقتصادي.
وسعياً إلى التخفيف من آثار الأزمة، ينفّذ أكثر من 150 متطوّعاً مشروعاً لمجلس الإسماعيلي الوطني يتمثّل بتحديث بيانات الأُسر المُتضررة للتعرّف إلى أوضاعها الاقتصادية وتقدير حجم ما تحتاج إليه من مساعدةٍ في المعيشة والسكن والصحة والتعليم، وللتعرّف إلى أثر المساعدات المُقدّمة عبر المؤسسات المعنية بالدعم.
وحيث تُعدُّ سلمية منطقةً زراعيةً، فقد أعدّ المجلس الإسماعيلي برنامجاً رائداً يهدف إلى تحسين نوعية حياة أبناء المناطق الريفية، لا سيما المُهجرين من قراهم، وذلك من خلال دعم التعليم، حيث تُنظم بالتعاون مع شبكة الآغا خان والـ «يونيسف» دورةً تدريبيةً مُكثّفة، لمعلمات الصف الأول الابتدائي، مرتكزةً على منهجية علمية وتربوية ونفسية تستوعب أولئك الأطفال في ظروفهم الإنسانية الصعبة، بغية حصولهم على التعليم المميّز والاستقرار النفسي، استعداداً لاستقبال العام الدراسي الجديد بعد أسابيع قليلة.
كما كان مشروع تنمية المرأة الريفية حاضراً في تلك المهمات، باعتباره من أبرز المشاريع التنموية في هذه المرحلة الاستثنائية والعصيبة، إذ يُشكّل عمل المرأة في الزراعة وتربية الماشية العمود الفقري فيها، فضلاً عن بعض المهن اليدوية القائم بعضها على بقايا النباتات والمحاصيل الزراعية كصناعة القش (الأطباق والسلال)، وقد دعمته مختلف الهيئات المحلية من أجل إيجاد موارد دخل للأسرة. ويتمُّ التركيز في هذا المضمار على الأُسر التي تُعيلها المرأة منفردةً، حيث يُنفّذ البرنامج مجموعةٌ من الشباب المتطوّع، تدعمها لجانٌ استشارية من المعلمين والأطباء والعاملين في القطاع الصحي والمدرّبين والمهندسين المدنيين والزراعيين.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تشكّلت هيئة من القطاعات المذكورة أعلاه، بغية التخطيط لمستقبل الأفراد والمجتمع، وكان التدريب المهني أساس الفكرة، بحيث يتم تدريب الشباب ويؤهلون للعمل في مختلف المهن تخفيفاً لحدّة البطالة والفقر. واعتمدت الطاقة الشمسية التي تتمتع بها المنطقة كطاقة بديلة، في مجال أساسيات كهربائية، مكوّنات منظومة الطاقة الشمسية في شكل كامل، طرق تصميم منظومة طاقة وتركيبها، تنفيذ مشروع طاقة شمسية في مجال الخدمات الزراعية (غطّاسات ومحرّكات)، إضافةً إلى كيفية صناعة الانفرتر يدوياً، وكذلك إعداد الفتيات للعمل في مشاغل للألبسة والأكسسوارات والأشغال اليدوية، وصناعة الحلويات والمعجنات. كما نظّمت دورات تدريبية وتأهيلية عدة في مجال التمريض والإسعاف الأولي، والخياطة وتصفيف الشعر بغية تطوير مهارات النساء. وأقيم الملتقى النسائي الذي يهدف إلى التواصل مع أبناء المجتمع لتقديم مساعدات شهرية إلى الأُسر المهجّرة والمُتضررة، بما فيها رعاية المُسنين.
ودُرّبت الهيئات الاقتصادية المحلية من أجل الوصول إلى تأسيس وحدةٍ استشارية تكون بمثابة حاضنة أعمال، قادرة على تقديم الخدمات المتعلّقة بتأسيس المشاريع ودعمها في مرحلة الانطلاق، وتسهيل دراسة جدواها الاقتصادية.
أيضاً، وبالتعاون مع مركز دراسات المعوقين ومركز الشلل الدماغي الموجود بالبلدة منذ سنوات، دُرّب مشرفو الأطفال ذوي الحاجات الخاصة على كيفية التعامل مع هذه الشريحة اجتماعياً وصحياً، وعلى تأهيلهم للقيام بأعمال يدوية تسهل عليهم ممارستها، بغية خلق فرص عمل وأنشطة مولدة للدخل، وتنظيم معارض دائمة في المدينة والأرياف القريبة، وتعريف السوق المحلية إلى منتجاتهم وتسويقها.
وقد جاءت مبادرة اللباس المدرسي كفرصة عمل لأُسر وافدة ومتضررة، وتشارك 9 مشاغل لإنجاز اللباس والحقيبة المدرسيين، وتسويق هذه المنتجات بإقامة معارض في قاعة المجلس المحلي في السلمية، من أجل تقديم الدعم التعليمي للتلامذة في المراحل كافة.
أما «مشروع مدينتي» فيعنى بإدارة النفايات الصلبة (جمع وترحيل وفرز) ويهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية الأســـاسية والاجتماعية وتحسينها، لتعزيز صمود المجتمعات والمؤسسات المحلية المتأثّرة بالأزمة والحرب الدائرة. وينفّذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP ومجلس مدينة السلمية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الناشطة في هذه البلدة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث