ثائر الزعزوع
حين دعاني الصديق الجميل عبسي سميسم قبل سنتين ونيف، للكتابة في جريدة
صدى الشام، لم أتوقع أن يأتي اليوم الذي أكتب فيه بفخر إني كتبت مئة مقال على مدى
مئة أسبوع في الصحيفة نفسها. لن أقول إن الأمر كان أشبه بالتحدي بالنسبة لي، لكنه
بكل تأكيد كان تحدياً كبيراً لعبسي سميسم ولفريق العمل الرائع من محررين وفنيين،
ومراسلين وموزعين مغامرين. كل هذا أشعر به الآن وأنا أكتب هذه المقالة، لا لأمدح
من خلالها أحداً، ولا لأضيف لرصيد أحد، ولكن لأنظر إلى الخلف، إلى تسعة وتسعين
عدداً تم إنجازها بكل ما يتحمله هذا الإنجاز من صعوبات ونفقات كانت، وأنا أعلم ذلك
تماماً، ترهق كاهل رجال أعمال لم يستطيعوا الاستمرار، وقرروا إغلاق مؤسساتهم
الإعلامية لأنهم لم يفهموا أن الصحافة ليست تجارة، بل هي رسالة، وليست صفقة ناجحة
بالضرورة، بل هي ربما تكون صفقة خاسرة ولكنها مشروع ناجح بكل تأكيد.
وإن كانت صدى الشام استمرت رغم تلك الخسائر وتلك الصعوبات، فلا بد أنها
تمتلك سراً لا يعلمه الكثيرون. السر هو ذلك الإيمان بجدوى مشروع مستقبلي، مشروع
يراد من خلاله التأسيس لصحافة حرة رغماً عن ما تلقاه تلك الصحافة من عسف ومن
اضطهاد. وخاصة بعد أن اعتبرت خصماً للجميع، بدءاً بعصابة الأسد، ووصولاً إلى
العصابات الأخرى التي تخشى أن يرى الناس على صفحاتها الحقيقة التي يسعون لطمسها
وتغييبها وقتلها.
وإذا كانت صدى الشام تعرضت للمنع والملاحقة مرات، وتعرضت للحرق مرة،
لأنها انزاحت إلى جانب الحرية، ومثل غيرها من الصحف السورية التي نشأت من رحم
الثورة المباركة، فقد راهنت على أنها قادرة على الاستمرار لأن قدرها هو قدر الثورة
نفسه. قدر الثورة التي نفضت سنوات الاستبداد عن كاهل السوريين، وهي تمضي إلى
الأمام لأنها صرخت في يومها الأول حرية للأبد. ومن يحمل حلم الحرية لا يمكن أن
يقبل بأنصاف الحلول، لذلك كان على صدى الشام أن تقبل هذا الرهان وأن تمضي إلى الأمام.
وفيما كانت مؤسسات المعارضة تبدد ملايين الدولارات على مشاريع وهمية، وعلى مؤتمرات
واجتماعات لم تقدم ولم تؤخر، فإن صدى الشام والعديد من الصحف الأخرى، استغنت عن
تلك الملايين، وهي التي كانت في أمس الحاجة إليها للاستمرار والتطوير، فتعثرت
مرات، لكنها استطاعت أن تواصل طريقها.
ولأنه في البدء كانت الكلمة، فالكلمة كانت ولا زالت سلاحاً مؤثراً
وقادراً على اختراق أعتى التحصينات، وعلى الوصول بعيداً أكثر مما تصل قذائف
المدفعية والصواريخ الموجهة. هي الكلمة التي زلزلت عرش العصابة أولاً، وهي الكلمة
القادرة على أن تطيح بأكاذيبهم ونفاقهم ودجلهم. ولهذا عملنا على فضحهم وتعريتهم، فكانوا
يرتكبون الأخطاء وكنا لهم بالمرصاد. لقد اعتادوا طيلة سنوات على ألا يحاسبهم أحد،
اعتادوا جمهوراً خانعاً يصدق كل ما يقال له، وقد نسفنا بكلماتنا كل أكاذيبهم،
وجعلناهم أضحوكة. ربما ما زالت العصابة قادرة على الإمساك بزمام الأمور من خلال
دعم إيراني سافر وسافل، والاستعانة بميلشيات القتلة الذين يتم جلبهم من كل مكان،
لكنها غير قادرة على استعادة السيطرة على العقول التي تحررت، وعلى النفوس التي لم
تعد تعرف الخوف. ألم تكن صدى الشام سلاحاً فعالاً؟ ألم تكن صدى الشام سيفاً حراً
بأيدي الثوار، وهي التي لم تجامل أي طيف من أطياف المعارضة على حساب حرية السوريين
وكرامتهم، لم نفضح النظام فقط، بل جميع أولئك المتاجرين بدم السوريين. وسأقول
شخصياً إنه وبعد تسعة وتسعين مقالاً، لم يتدخل أحد فيما أكتب وكنت حراً في انتقاد
جميع الظواهر السلبية، وفي امتداح ما أراه إيجابياً من وجهة نظري.
شخصياً أيضاً، عملت لأكثر من عشرين عاماً في وسائل إعلام مختلفة، ما بين
صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية ومواقع الكترونية وإذاعات، وأمضيت سنوات طويلة أعمل
في الإعلام الحكومي. شاركت في مشاريع إعلامية حالمة لم تلبث أن تحولت إلى كوابيس
تطاردني، سواء داخل سوريا قبل الثورة، أم خارجها بعد الثورة. وعملت في وسائل إعلام
عربية بعضها أعتز به، وبعضها أكاد أسقطه سهواً من سيرتي المهنية. لكن تبقى وبكل
أمانة، جريدة صدى الشام واحداً من أكثر المشاريع الإعلامية التي أفتخر أني تشرفت
بالعمل فيها، والمساهمة، مهما كانت صغيرة، في انطلاقتها واستمرارها.
تكمل صدى الشام عددها المئة، وكلي أمل أن يستمر هذا المشروع لنكون
مشاركين فيه حين تتحرر سوريا من الاحتلال الإيراني المقيت، وحين ترحل العصابات
التي تعمل على خنق الكلمة ومحاصرتها وقتلها، وحين نتمكن من صناعة صحافتنا التي
نفتخر بها، والتي تعبر عن سوريا الثورة، وسوريا الحرة.
مئة عدد، شكراً صدى الشام.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث