صدى الشام _ آرام نوح/
بداية، لم أتعمد أن يحمل العنوان أي نوايا عنصرية مبيتة، إنما هي الألوان فقط.
لقد أسقط الغرب مكانة الفرد المهيمن والمتسلط وأصبح الكل سواسية أمام القانون، الرئيس والمرؤوس، الفيلسوف وعامل النظافة، الآلة والإنسان والحيوان، المالك والأجير، كلهم سواسية أمام القانون الذي لا يسمح بالمطلق بتعطيل عجلة الإنتاج الساحقة. وهنا حلَّ طغيان المؤسسة والنظام العام الذي يحمي مصالحها محل الفرد أو الأفراد. وكذلك حلَّ البسطار المالي محل البسطار العسكري والديني والاجتماعي والعائلي مع قابلية الارتداد أو التصالح مع هذه المناحي أو الاتكاء عليها إذا اقتضت مصلحة المال ذلك.
الكل يعلق آمالاً (ويفقدها فيما بعد) على الإدارات الأميركية المتعاقبة على البيت الأبيض، وما يحدث حقيقة أن ديمقراطية المال والسلاح والمخدرات، والعلم المفرغ من أبعاده وقيمه الإنسانية لصالح قيم السوق والربح، وثقافة الاستهلاك، والسيطرة على وسائل الإعلام، لم يعد يعنيها ولا ينفع معها أو يحد من انتشارها عالمياً إن جلس في البيت الأبيض ذو بشرة سوداء أم بيضاء أم صفراء أم حمراء. ولا إن كان ديموقراطياً أم ديكتاتوراً، مسلماً أم مسيحياً، ملحداً أم متديناً، طالما هناك من يدير اللعبة دون عوائق، مع امتلاك مرونة وقوة كافيتين لمواجهة أية أفكار مزعجة تعكر صفو الرأي العام الأميركي المتفق على صياغته وإدارته وفق مصالح أسياد السوق والمصارف. ولنتذكر هنا خطاب جورج دبليو بوش الذي أعلن فيه أنه ينفذ مشيئة إلهية في محاربة محور الشر.
وقد يكون لوصول أوباما إلى رئاسة دولة تعد من أعتى وأقوى الدول التي عرفها التاريخ، أسباب تضرب في العمق، منها:
كسر حدة التمرد لدى العرق الأسمر، حيث كان سلوك الزنجي في الولايات المتحدة يختزن تمرداً هائلاً وفعلاً مقاوماً تجاه الظلم والتسلط، وكان يشكل رافداً للذاكرة البشرية في طريقها نحو التحرر والانعتاق من أنظمة الاستغلال والسيطرة.
أوباما جاء بمثابة تفريغ لتلك الطاقة من جوهرها وبعدها الإنساني المقاوم. وبمثابة رشوة موجهة للاشعور لدى ذلك العرق وعلى صيغة جواب خفي عن سؤال ضمني هو الآخر، ومفاده: ماذا تريد بعد أيها الزنجي وقد أصبحت رئيساً لهذا البلد؟؟؟ وداعاً إذاً لكوخ العم توم، ولتلك السلاسل الحديدية التي اقتادوك بها لخدمة الأسياد. وداعاً لكونتا كونتي ولذلك العرق الذي كان مغلوباً على أمره. وداعاً لتلك الخيول البرية الجامحة (مارتن لوثر كينغ – مالكولم إكس – روزا باركس – محمد علي كلاي – نلسون مانديلا … وغيرهم كثر). وداعاً لتلك الدروب المروية بدماء الأحرار والتي أوصلتنا إلى مجرد كرسي تافه.
لقد أشار كارل ماركس في منتصف القرن التاسع عشر إلى أن البرجوازية طبقة تنكرت لنفسها، أي لقيم التنوير الأولى، وتخلت عن دورها الثوري الذي لعبته في القضاء على الإقطاع، وأصبحت تلعب دوراً معيقاً في تطور البشرية.
الديمقراطية نظام يجب أن يجري بالتساوق مع قيام أنظمة اقتصادية عادلة تسعى لتوزيع عادل للثروة بعيداً عن الاكتناز وتمركز رؤوس الأموال في أيدي حفنة من البشر تدير شؤون الباقين وفق مصالحها. الديمقراطية يجب أن تتساوق مع النضال من أجل السلم العالمي بعيدا عن سياسة الاحتكارات العالمية والحصول على الغنائم على حساب الشعوب وحقوقها في العيش. وبالتساوق مع إعلام وفن وثقافة متحررة من سطوة المال وخدمة صناع القرار.
ثقافة تعلي من شأن الإنسان حيثما وجد على هذه الأرض، وتعيد الاعتبار لمفهوم الإنتاج والإنسان المنتج الحر المختلف عن مفهوم الإنسان الأجير والمستخدم والتابع للآلة والمؤسسة، ومن دون ذلك ستبقى الديموقراطية شعاراً أجوف، فارغاً من مضمونه، مختزلة إلى مجرد كذبة يمارسها المواطن بحق نفسه في صناديق الاقتراع.
أمام ما يجري ويحدث الآن لم يبقَ من البيت الأبيض إلا لون الطلاء الخارجي المتسخ الذي يغلف ذلك السواد في الداخل، أما أوباما الأسود، فقد أتى رمادياً وها هو يمضي بلا لون.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث