حاوره- مصطفى محمد/
يرى المحلل السياسي والباحث المختص بالشأن التركي والإيراني الدكتور علي باكير، أن تصريحات رئيس وزراء التركي الأخيرة بشأن “دور محتمل للأسد في المرحلة الانتقالية”، “ليست بالجديدة”، مشيراً إلى أنها طرحت من قبل في أكثر من لقاء. وفي الوقت الذي يقلل فيه باكير من شأن هذه التصريحات، يلمح إلى أنها تأتي في سياق المساعي التركية لتحسين علاقاتها بروسيا وإيران، بعد أن أظهرت محاولة الانقلاب الأخيرة أنه “لا يمكن التعويل على الدول الإقليمية المترددة”. وضمن رؤيته للحراك الدبلوماسي التركي الأخير، استبعد باكير خلال حديث خاص بـ”صدى الشام”، الحديث عن وجود تحالف تركي روسي إيراني.
من جانب آخر وصف الكاتب الصحفي باكير ما يجري من صراع في محافظة الحسكة بين النظام و”الوحدات الكردية” بـ “الصراع المرحلي”، مستبعداً أن يؤدي هذا الأمر إلى القطيعة فيما بين الجانبين.
– لنبدأ من التصريح “المثير للريبة” لرئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، بشأن بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، ما دلالات هذا التصريح؟
لا تعطي هذه التصريحات مؤشراً على تحول جديد، سواء في الموقف التركي أو في المعطيات الجديدة في العملية السياسية، أو على الأرض، وهذا بغض النظر عن طريقة الترجمة على اختلافها للتصريحات.
نحن نعلم أن الموقف الأساسي لتركيا مما يجري في سوريا لا يزال كما هو، هناك عدد من المبادئ التي تم التوافق عليها في عملية الانتقال السياسي، الموقف التركي يشدد على ضرورة رحيل الأسد.
قبل أكثر من عام تم طرح هذا الأمر في “فيينا”، ولم تكن تركيا لوحدها، بل كانت إلى جانب المملكة العربية السعودية، وعلى سبيل المناورة قيل حينها “إذا كنتم متمسكون بالأسد، نحن قد نقبل لبضعة أشهر به، ولكن عليكم أن تخرجوا للعلن وتحددوا موعد رحيل الأسد”، طبعاً حينها رفض الجانب الروسي هذا الأمر. إن بقاء الأسد لا يمكن القبول منه من جانب تركيا، فضلاً عن الشعب السوري، ما لم يكن هناك تأكيد واضح برحيله. وهذا أمر محسوم ولا تنازل عنه.
– إذا كان هذا الموقف التركي “غير جديد”، لماذا يتم الإعلان عنه الآن، وماهي الرسائل التي تريد “أنقرة” توجيهها من خلال تكرير المكرر؟
في البداية لا أؤمن بأن رئيس الوزراء التركي “يلدريم” هو المسؤول الأساسي عن السياسية الخارجية في البلاد، وتحديداً في الملف السوري، لأنه ملف مرتبط بشكل مباشر برئاسة الجمهورية، وهناك الكثير من التصريحات التي تصدر عن مسؤولين كثر في السلطات التركية، وهم لا يمتلكون مفاتيح الملف السوري.
بالعودة إلى السؤال، أعتقد أن “يلدريم” يحاول أن يخلق بعض الأجواء الإيجابية مع الجانب الروسي، بحيث يؤدي مثل هذا التصريح إلى إزالة العقبات التي قد تمنع مناقشة عقلانية بين الجانبين حول مستقبل سوريا.
بمعنى آخر، باعتقادي أن الهدف من هذا التصريح هو خلق أجواء ايجابية بين الدول المتخاصمة، للبدء في حوار، لكن لا أعتقد أنه بمثابة الاتفاق على شيء قد تم، أو سيتم، وهذا أمر مختلف تماماً. وكما سبق وذكرت بأن الموقف التركي الأساسي لا يزال كما هو على حاله.
– إذن التصريح رسالة من أنقرة إلى موسكو فقط، ليس أكثر؟
ليس لموسكو فقط، وللجانب الإيراني أيضاً. هناك محاولة تتوضح من خلال السياق الذي جاءت به هذه التصريحات. “يلدريم” تحدث عن موضوع أنه بالإمكان العمل مع كافة الدول بما فيها بلدان الخليج، والولايات المتحدة لحل الموضوع السوري، فضلاً عن تصغير المشاكل مع الجيران.
أنا أنظر إلى هذه التصريحات على أنها تصريحات ذات مفعول معنوي فقط لا غير، وهي لا تستند إلى شيء واقعي على الأرض حتى هذه اللحظة. في السابق كان تعارض المواقف يمنع مناقشة الموضوع السوري بشكل عقلاني، وكان الملف السوري يستخدم كورقة خلاف، أي نحن لا نتحدث عن نتائج ولا عن اتفاق.
– بغض النظر عن دلالات التصريح الأخير، كمراقب ومحلل سياسي، هل ترجح حدوث تبدل في السياسة التركية تجاه الملف السوري؟
لا يوجد شيء ملموس يجعلني أقول أن هناك تحول قادم. الجانب الروسي والجانب الإيراني لا يزالان متمسكان ببقاء الأسد على الأقل خلال كامل المرحلة الانتقالية، والجانب التركي موقفه معروف، وهذه هي المواقف الأساسية.
الآن، كيف سيتم التقريب بين وجهات النظر هذه، وهل سيتنازل الجانب الروسي والإيراني، أو هل سيتنازل الجانب التركي؟ أنا لا أعتقد أن هذا سيحصل، لكن كما سبق وذكرت هناك إمكانية لم يتم التوافق عليها، وهي بقاء الأسد خلال شهرين أو ثلاثة أشهر، مقابل ضمانات روسية رسمية تحدد فترة بقائه.
-زيارات متكررة “تركية، روسية، إيرانية”، وحديث عن تحالف فيما بين هذه الدول، هل هذا الحلف قادم؟
لا أعتقد أن هناك حلف قد حصل أو سيحصل، وخصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية. ما يجري هو أن تركيا تضررت جداً خلال السنوات الخمس الماضية، والحلفاء تخلو عنها (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، كما أثبت الأصدقاء في المنطقة أنه لا يمكن التعويل عليهم بشكل جاد، أو دعني أقول أثبتوا أنهم مترددين.
بالتالي تركيا هي التي تحملت الخسائر الأكبر على الصعيد البشري والإنساني وعلى صعيد العمليات الإرهابية وعلى الصعيد الاقتصادي، وجاء التدخل الروسي المباشر ليشكل ضغطا شديدا على تركيا، وتوج هذا محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة. وبالتالي لم يكن هناك مناص من إعادة الانفتاح على كل الدول، لكن هذا الانفتاح له حدود، وله أهداف. حدوده هي الجانب الاقتصادي والسياسي فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية، وأهدافه تحسين العلاقات الاقتصادية والسياسية. بمعنى آخر، تطبيع العلاقات الثنائية، لكي يسمح هذا التطبيع بمناقشة القضايا الإقليمية التي لم يكن بالإمكان مناقشتها في ظل التوتر والصدام الثنائي بين الطرفين.
سعي تركيا لتحسين علاقتها مع الروس والإيرانيين هو حق لها، وهذا الأمر ليس سيئا، لا لهذه الدول ولا حتى لدول الإقليم، وأبعد من ذلك تسعى تركيا من خلال ما سبق إلى تحسين موقعها لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهي لا تنظر إلى روسيا وإيران على أنهما البديل عن الغرب.
إن جَسْر الهوة بين كل من تركيا وإيران وروسيا، يمر عبر “محاربة الإرهاب” الذي يشكل الأرضية المشتركة، طبعا وحتى هذه الأرضية غير متوفرة، تركيا ترى ضرورة وضع حزب العمال الكردستاني على لائحة الإرهاب الذي يجب محاربته، بينما يرى الجانب الروسي في المعارضة السورية المعتدلة طرفا إرهابيا. إذن الأمور ستأخذ وقتا، ومن الصعب جداً الحديث عن اتفاق في المرحلة الحالية.
– البعض فسر هذا التسارع في تحسين العلاقات على أنه استعجال من هذه الدول لاستغلال فرصة غياب واشنطن وانشغالها بالانتخابات الرئاسية، هل تتفق مع هذه القراءة؟
هذا ممكن، لكن هناك مشاكل أخرى ليست لها علاقة بالانتخابات الأمريكية. إن الزيارة التركية إلى روسيا تم تحديدها في اليوم التالي لفشل الانقلاب، بالتالي هي جاءت في سياق هذا الأمر. وأيضاً كانت زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى تركيا مبرمجة بشكل سابق.
– قبل أن أختم بموضوع الحراك الدبلوماسي التركي الروسي الإيراني، أود أن ألفت إلى أن كثيرا من المراقبين يبدون تخوفهم من نجاحه، وخصوصاً أن تركيا متعبة بفعل خروجها من النفق المظلم المتمثل بالمحاولة الانقلابية، وإيران منهكة بفعل تورطها العسكري في بلدان عربية، بالتالي يرى المراقبون أن الكلمة العليا ستكون لروسيا، والموقف الروسي معروف حيال سوريا؟
حتى أكون دقيقا، لا أعتقد أن هناك حلف كما تحدثنا سابقاً، بالتالي التعليق على هذا السؤال غير دقيق.
– في سياق مغاير، لم تستبعد في تصريحات صحفية لك، أن يكون ما يجري في محافظة الحسكة من صراع بين قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والنظام، هو “غزل روسي وسوري تجاه تركيا”، نريد توضيحا أكثر بهذا الجانب؟
أنا قلت أن النظام السوري وروسيا يمكن أن يكون لديهم تصور عن هذا الموضوع بهذا الجانب، لكنني قلت في نفس التقرير أن هذا القتال ليس أمراً استثنائياً، وقد جرت اشتباكات سابقة بين الطرفين في أكثر من محافظة سورية، وتبين حينها أن الموضوع له علاقة بالتنافس والصراع على النفوذ، وهذا ما وضحته هذه الاشتباكات هذه المرة أيضاً.
لقد قال بيان ما يسمى بـ”الجيش العربي السوري” بصراحة أن القوات الكردية تسعى للسيطرة على محافظة الحسكة، وبالتالي لا مؤشرات على أن هذا القتال جاء بموجب صفقة روسية -تركية، أو إلى ما هنالك.
– من منظورك الشخصي، إلى أين ستذهب هذه المعركة الحاصلة في الحسكة، وهل ستكون بداية لقطيعة كاملة بين النظام والوحدات الكردية، أم أنها عبارة عن مناوشات وخلاف آني فقط؟
لا أعتقد أنها ستتوسع، وهي عبارة عن مناوشات. هذا الحزب كان ولا يزال وسيبقى أداة بيد النظام، كما هو أداة بيد روسيا والولايات المتحدة، طبعاً بلا شك إن حزب الاتحاد الديمقراطي يسعى للاستفادة من كل هذه الأطراف لتحقيق حلمه باقتطاع جزء من الأراضي السورية لتأسيس كيان كردي، كما تسعى الدول الداعمة للاستفادة منه. أي أن كل طرف يستفيد من الآخر وفق برنامجه.
– ختاماً نريد أن تضعنا في تصورك للحل السوري، وهل سيكون هذا الحل قريباً؟
للأسف لا أرى حلاً قريباً للمعضلة السورية، وأتمنى أن أكون على خطأ. الحل لا يحتاج إلى تصوري أو إلى تصور أي منظر سياسي.
الحل يبدأ برحيل الأسد والزمرة الحاكمة. وعند رحيلهم الذي لن يحل كل الإشكالات، يصبح من السهل الاتفاق على تصور مشترك من الجميع داخل وخارج سوريا على كيفية المضي قدماً في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث