العربي الجديد/
تستضيف مدينة سيينا الإيطالية واحداً من أمتع المهرجانات مرتين كل عام، إنه مهرجان “باليو دي سيينا” ويطلق عليه أيضاً “إل باليو”. يهيمن على المهرجان سباق للخيل ذو طابع ملحمي، وهذه السباقات تتجاوز كونها مجرد حدث رياضي؛ فلها أصولها الدينية العميقة. فالسباق الذي يعقد في الثاني من يوليو/ تموز، والذي يسمّى “باليو دي بروفنزانو”، يقام تكريما للعذراء مريم أو “مادونا أوف بروفنزانو”، في حين أن سباق “باليو دي إل أسانتو”، في السادس عشر من أغسطس/ آب، يقام تكريماً لصعود مريم للسماء.
ولأن السباق عنيف في طابعه غالباً، ولأن أكثر من نصف المتسابقين يسقطون من فوق أحصنتهم، فإنه من البديهي أن يحصل هؤلاء المتنافسون على بعض التوجيه الروحي. وبالرغم من الادّعاء بعلمانية المهرجان، فإنّ الرايات تحمل رسوم وشعارات الأيقونات الدينية المشهورة. ويحمل الحدث الطابع الكرنفالي في كل أيامه من مواكب وطبول ورقص وصراخ.
تعود فعاليات “باليو دي سيينا” إلى العصور الوسطى، لمّا استضافت بعض أحياء المدن الإيطالية، مجموعة من الألعاب الشعبية كالملاكمة ومصارعة الثيران وسباق الخيل. وفي القرن السادس عشر، اعتبِرَت مصارعة الثيران غير قانونية، واستبدلت بسباق الخيول الذي حلّ محلها باعتبارها حدثاً ترفيهياً.
وجرى أول شكل حديث من المنافسات التي تقام في يوليو/ تموز في منتصف القرن السادس عشر، ثم أضيف السباق الثاني الذي يجري في أغسطس/آب في القرن السابع عشر، وقد أخذ الحدث اسمه من كلمة “باليو” أو “راية الجائزة” التي تعلق في متحف قبل المهرجان بعدة أيام.
الغريب أن السباق الرئيسي في هذا المهرجان لا يصل إلى دقيقتين، وبالرغم من ذلك؛ فإن الاحتفالات تستمر لمدة أربعة أيام. تبدأ الاحتفالات بالتمهيد للسباق باختيار أفضل الخيول في “إل تراتا” وهي معاينة شكلية للخيول لضمان أن الأفضل فقط هو من سيشارك بالمنافسة. وتجري سلسلة من ستة سباقات في المضمار يومياً من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الثامنة إلا الربع مساء، وذلك لمدة ثلاثة أيام سابقة على الحدث الرئيسي في ساحة “دي كامبو”. ويحرص المشاهدون والزائرون على الحضور قبل بدء المهرجان بعدة أيام ليشاركوا في التجهيزات، ومشاعر الإثارة التي تسيطر على مدينة “سيينا”. والأهم من ذلك، هو محاولة الحصول على شرفة تطل مباشرة على المسابقات التمهيدية والحدث الرئيسي للتمكّن من المشاهدة الجيدة.
ومع انتهاء تلك الاستعدادات، تكون المدينة قد أغلقَت تماماً، وتكون معظم نقاط المشاهدة المتميزة قد حُجزَت مقدّماً مقابل الكثير من المال، فالمقعد بالشرفة الواحدة المميزة قد يصل إلى ألف يورو.
يستمر السباق تسعين ثانية فقط، ولا توجد أي قواعد، بل يكون على الفرسان أن يعمدوا إلى إعاقة منافسيهم ليتمكنوا من الفوز، وذلك عبر التدافع ودفع الفرسان الآخرين وإزاحة خيولهم عن المضمار. وليس من المستغرب أن الإيطاليين يصفون الشخصيات البغيضة عندهم بأنهم مثل الفرسان، فالفارس يفعل أشياء بغيضة بل ومؤذية في سبيل الفوز بالسباق. وتصنَع سياط الفرسان من جلد قضيب الثور بحجة أن ضرباته تكون قوية جداً. الفائز بالسباق يفوز بالراية المرسومة باليد والمصنوعة من الحرير، ومرفوعة عموديا على رمح.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث