ريان محمد
تضيق الخيارات أمام
الناشطين السياسيين والمدنيين في سورية، مع طغيان الصراع المسلح على العمل
السياسي، الذي تراجع دوره بشكل كبير في الآونة الأخيرة. ما لم يدع أمام الناشطين
خيارات عدة، فإما التزام المنازل وإما البحث عن لجوء هنا أو هناك.
“اليوم، بدأ الجميع يحلم
بالسفر إلى إحدى دول أوروبا، وما أن أجتمع مع أحد من الناشطين حتى يكون معظم
الحديث عن سبل الوصول إلى أوروبا، وأي الدول الأفضل للحياة بها”، ما قاله
حسن، ناشط سياسي معارض، لـ “صدى الشام”، معتبرا أن “أطراف الصراع المسلح، ومن خلفهم الدول الإقليمية والدولية،
يدفعون إلى مزيد من الاقتتال، رافضين أن يكون للعمل السياسي والمدني أي دور أو
وجود. وأعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى
معرفتهم أن النشاط السياسي والمدني قادر، إن مكّن في المجتمع، على إنهاء الصراع
العسكري، وفضح المستفيدين منه”.
وأضاف: “معظم الناشطين
هم شباب جامعي، تسبب انخراطهم في الحراك السوري بتوقف حياتهم الجامعية ومتابعة
مستقبلهم. لكن اليوم، وبعد مضي نحو خمس سنوات وتحول الأزمة السورية إلى ملف يدار
إقليميا ودوليا، أصبحنا نشعر أن لا دور لنا في إنهاء الأزمة، بل أننا مهددون من كل
الأطراف، ويُدفع بنا للرحيل، ما يدفعنا للتفكير في استئناف دراستنا وبناء مستقبلنا
بانتظار انتهاء الصراع المسلح”.
وأوضح أن “النظام يعمل على تخويف الناشطين المدنيين عبر العديد من
التصرفات، كمنعهم من السفر عبر أحد الأفرع الأمنية، طالبا منهم مراجعته. وعقب
مراجعة لعدة أيام يعطى مهلة تتراوح بين عدة أيام وثلاثة أشهر للسفر خارج البلاد.
وفي حال عودته، يجب عليه مراجعة الفرع مرة أخرى”.
وتابع: “كما يتم فصل الناشطين من وظائفهم بشكل تعسفي وحرمانهم من جميع
حقوقهم، ما يضع الناشط في دائرة الخطر. إضافة إلى سلبه مصدر رزقه، ما يجعل استمرار
المعيشة داخل البلاد أمر في غاية الصعوبة في ظل الغلاء الفاحش وانخفاض القيمة
الشرائية لليرة السورية”.
من جانبه، قال محمود، ناشط
سياسي معارض، لـ “صدى الشام”: “لا أشعر أن هناك مستقبل لي في البلد.
حاولت أن أكون فاعلا في بناء وطن حلمنا به ونادينا به عام 2011، لكن الأمور تغيرت
بشكل كبير، حيث تراجع دور القوى الديمقراطية المدنية أمام تمدد القوى المسلحة
الإسلامية المتشددة وتغطرس النظام وإمعانه في استخدام العنف المفرط والاعتقال
العشوائي”.
وأضاف: “للأسف لم يعد هناك
قوى سياسية فاعلة داخل البلاد. فهيئة التنسيق الوطنية مثلا، مع طول الزمن وعجزها
عن لعب دور ذي جدوى واعتقال العديد من قياداتها، على رأسهم الدكتور عبد العزيز
الخير، ابن القرداحة والمعارض العنيد، ورجاء الناصر، إضافة إلى تهديد العديد من
قياداتها ما أجبرهم على مغادرة البلاد، إضافة إلى الخلافات التنظيمية والسياسية
بين الشباب وقيادات الأحزاب، خرجت منها كتلة كبيرة من الشباب. كما خرج تيار بناء
الدولة السورية عقب التضييق على قياداته”.
وتابع “يقتصر العمل السياسي في مناطق النظام، التي لا تتجاوز ثلث
الأراضي السورية، على مجموعة من الأحزاب المرخصة وشبه المرخصة، والمرتبطة بشكل
كبير مع أجهزة الأمن السورية، ما يجعل دورها مقتصرا على أن تكون جزءاً من الديكور
الذي يرسمه النظام ليقول أن هناك حياة سياسية في سوريا”. مضيفا:
“أما المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فهي إما بيد تنظيم الدولة الاسلامية
“داعش”، والعمل فيها مستحيل، أو مناطق تحت سيطرة النصرة والفصائل
الإسلامية وغيرها من الفصائل المسلحة، حيث يسود العمل العسكري كذلك. ولم يؤسس إلى
اليوم رديف سياسي قادر على إدارة تلك المناطق وحمل مشروع سياسي متقدم يطمح لبناء
وطن جامع للسوريين”.
من جهته، رأى ناشط سياسي
معارض في دمشق، طلب عدم ذكر اسمه، في حديث مع “صدى الشام”، أن “سوريا اليوم ترزح تحت سلطة قوى تسلطية استبدادية ترفض الآخر
وتريد أن تفرض إرادتها على السوريين، وهي النظام وداعش والنصرة، إضافة إلى الفصائل
الإسلامية المتشددة. في وقت تغيب فيه القوى الديمقراطية الفاعلة. في حين تلهث بعض
القوى السياسية لمماهاة تلك القوى المتشددة بسبب فاعليتها على الأرض، على أمل أن
تكون قادرة في المستقبل بإرادة دولية، على إزاحتها عن الساحة السورية”.
وقال: “هذا الخيار يحمل
الكثير من المخاطرة على مستقبل سوريا، ككيان سياسي موحد ذي سيادة. حيث أن استقطاب العقلية الجهادية إلى الساحة السورية، ورغبة القوى
الدولية في استنزاف القوى الإقليمية في المعركة السورية، قد يدفع بالصراع إلى أن
يمتد لسنوات طويلة محكومة بالمصالح الدولية، ما سيكون له دور كبير في تمزيق النسيج
السوري وتحويله إلى كانتونات طائفية وقومية، غير قادرة على التصالح لعقود قادمة.
إضافة إلى ضريبة كبيرة سيدفعها السوريون من دمائهم ووضعهم الاقتصادي الذي يتدهور
يوميا، الأمر الذي سيدفع بهذه الكانتونات لحماية إقليمية ما، وهو ما سيحولهم إلى
ورقة تدخل في الصراع على سوريا، وبالتالي دور في التوازنات السياسية
الإقليمية”.
ولفت إلى أنه “في كل يوم
جديد في الصراع المسلح، تخسر سوريا جزءا كبيرا من أبنائها وقدراتها الاقتصادية، ما
يجعل فرصة بناء دولة سورية صاحبة سيادة ودور إقليمي صعبة المنال. لذلك يجب علينا
أن نعتمد على أنفسنا لإنقاذ بلادنا، فكل الدول تبحث عن مصالحها، مما يحتم علينا أن
ننتفض ونوحد جهودنا لبناء وطن تشاركي يتسع للجميع”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث