الرئيسية / تحقيقات / التاريخ الديموغرافي للجزيرة السورية وجهات نظر متباينة، ودويلة كردية حذّر منها المؤرخون

التاريخ الديموغرافي للجزيرة السورية وجهات نظر متباينة، ودويلة كردية حذّر منها المؤرخون

يعيش في الجزيرة السورية عدد من
الإثنيات العرقية والطوائف الدينية، وتعتبر المنطقة أرضا خصبة قصدها الأرمن قادمين
من تركيا والأشوريون من العراق وبعض العائلات الشركسية قادمة من روسيا في ثلاثينات
القرن الماضي. فهذه الرقعة من الأرض ليست حكرا على قومية بحد ذاتها، بل التنوع سيد
الموقف هنا.

عبد العزيز الخليفة

كثرت الأحاديث عن منطقة الجزيرة السورية
ونشبت الخلافات حول ماهيتها وتأصيلها العربي أو الكردي. وفي هذا الصدد، يقول الكاتب
جمال باروت في كتابه (التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية): “المجتمع
الكردي في الجزيرة السورية، نشأ نتيجة الهجرات من شمال سكة الحديد إلى جنوبها بعد
ترسيم الحدود بين سوريا بحسب الاتفاق الفرنسي التركي”.

ويضيف “باروت” في كتابه، أن “هذه
الهجرة بلغت أوجها بين عامي 1925 و1939، إذ حدثت في هذه الفترة 17 ثورة كردية ضد
السلطة التركية، وجميعها هزمت، إضافة لتشجيع سلطات الاحتلال الفرنسي الهجرة إلى
الجزيرة بقصد استثمار المناطق الواسعة من الأرضي الصالحة للزراعة والتي يغذّيها
عدد كبير من الينابيع، حيث ارتفع عدد الأكراد في
الجزيرة السورية من 6000 نسمة عام 1927، إلى 54340 نسمة في عام 1939، ما يعادل
50.6% من سكان الجزيرة السورية”.

ويتابع الكاتب أن “اجتياح القوات
التركية للمناطق الكردية في جنوب تركيا، في الفترة بين 1934 و1938، كان من الطبيعي
أن يزيد من إعداد المهاجرين إلى الجزيرة السورية، كذلك شجع الفرنسيون استقرار
القبائل العربية في المنقطة، وسمحوا لكل شخص بأن يستثمر الأرض 5 سنوات بملكيتها،
ما خلق ملكيات كبيرة باسم شيوخ العشائر، حيث بدأت عملية تحول العشائر من راحلة إلى
مستقرة. كما شجعت هذه الإجراءات على هجرة الأشوريون قادمين من العراق”.

تحذيرات محمد كرد علي

زار وزير المعارف في الحكومة السورية “محمد
كرد علي” الجزيرة في عام 1931، وهو من أصول كردية، وقدم تقريرا لرئيس سوريا،
تاج الدين الحسيني، قال فيه: “إن جمهرة المهاجرين في الحقيقة جاءت من أكراد
نزلوا من الحدود، وأقترح إسكانهم في مناطق بعيدة عن حدود كردستان لئلا تحدث من
وجودهم القريب أو البعيد، مشاكل سياسية تؤدي إلى اقتطاع الجزيرة، أو بعض منها، من
جسم الدولة السورية، لأن الأكراد إن عجزوا اليوم عن تأليف دولتهم، فالأيام كفيلة
بأن تنيلهم مطالبهم إذا ظلوا على التنامي نفسه، والإشادة بقوميتهم”.

وأوضح كرد علي في تقريره أن “المهاجرين
الأكراد يستوطنون على ضفاف أنهار دجلة والخابور وجغجغ والبليخ والفرات، ويقتطعون
من شطوط تلك الأنهار ما يروقهم من المساحات. ولا يستبعد أن يأتي يوم ويتملكوها، مع
أن تلك الأرضي من أملاك الدولة”.

لكن السياسية المنفتحة على هجرة الأكراد
لم تتغير في قبولهم وتسجيلهم في السجل المدني السوري إلى عام 1943، حيث فرضت بعض
القيود على تسجيل المهاجرين الأكراد اللذين ازدادوا بعد أن عمدت السلطات التركية
إلى نقل عدد كبير منهم من جنوبي تركيا إلى الأناضول، ففضلوا اللجوء إلى سوريا
والبقاء قرب مناطقهم بدل من الانتقال إلى الأناضول.

في عام العام 1943 اندمجت الجزيرة بسوريا،
وفشلت دعوات دولة الجزيرة التي حدثت بعد توقيع اتفاقية 1936 بين سوريا وفرنسا
بتشجيع من المخابرات الفرنسية.

وجهات نظر متباينة

الناشط الكردي المعارض (جهاد قامشلو)
يعتبر مصطلح “المناطق الكردية”، الذي يتداوله الإعلام، مصطلحا طبيعيا
ومناسبا لطبيعة تكوين المنطقة. فقال لـ “صدى الشام”: “إن الشعب
الكردي موجود على طول الحدود الجغرافية بين سوريا وتركيا. والمنطقة امتداد طبيعي
لكردستان المقسومة بين أربع دول، نالت سورية الحصة الأقل منها”.

وتابع بالقول: “المنطقة الشمالية
الشرقية شهدت حركة نزوح إليها من قبل العشائر العربية قادمة من العراق والسعودية،
لكن هذه لا ينفي وجود سكان عرب وسريان قديمين في المنطقة. بالإضافة لقيام نظام حزب
البعث بتوطين آلاف العائلات العربية القادمة من الرقة في منطقة الشريط الحدودي من
بلدة تل تمر حتى المالكية”.

ويرى (قامشلو): “إن الخطاب السياسي
لأكراد سوريا بشقيه لا يطمح إلى استقلال، فالمجلس الوطني الكردي ممثل بالائتلاف
الوطني، وحزب الاتحاد الديمقراطي (
PYD) يناديان بمفهوم الأمة الديمقراطية وفكرة التعايش بين جميع
المكونات والتشكيلات، والحزب العسكري مكون من الكرد والعرب والسريان”.

وردا على سؤال حول طموح الشارع الكردي
بقضية الاستقلال، أجاب (قامشلو): “بعد سنوات من الظلم وعدم اكتراث الغالبية
لمظلومية الشعب الكردي، هناك على المستوي الشعبي طموح كبير للاستقلال وتشكيل دولة خاصة.
مع أن هذا لا يمثل موقفي الشخصي بالضرورة، ولكنه حقيقة”.

“لا يوجد في سوريا مناطق كردية، أنما
يوجد مناطق سورية” هكذا يخلص القصة كلها أبو عمر الحسكاوي، عضو اتحاد شباب
الحسكة. “لن أغوص في التاريخ. لكنه في تحديد هوية المنطقة، لا يوجد إي مبرر منطقي
للقول عنها أنها مناطق كردية. فالمنطقة بالنسبة للتركيبة الديموغرافية لا يوجد
فيها أغلبيه سكانية كردية. وتاريخيا، أغلب المدن هنا تسمى بأسماء سريانية قديمة
وليست كردية. والكردية هي ترجمة حرفية للمعنى العربي للاسم، كمدنية رأس العين التي
تسمى بالسريانية “ريشعينا”، وترجمت الكلمة إلى الكردية فأصبحت “سركاني”،
يعني رأس العين بالعربي. وهنا لا بد من ذكر مدنية تل أبيض، والتي ترجمت بشكل حرفي
إلى “كري سبي”، والتي تعني تل أبيض بالعربي.

وتابع أبو عمر: “إن الأكراد ظلموا من
نظام الأسد، كحال كل السوريون، وليس من قبل العرب أو أي مكون آخر. وعدد المعتقلين
العرب في سجون النظام أكبر من عدد الأكراد. قبل الثورة، كان النظام يتهم أي معارض
عربي أنه صدامي، وبعد الثورة أنه داعشي. بينما تنسيق النظام مع حزب الاتحاد
الديمقراطي حمى الأكراد من الاعتقال وسلط على راقبهم سوط الحزب”.

بالنسبة للحركة السياسية الكردية، يقول
“أبو عمر”: “إن الخطاب السياسي الكردي غريب جدا ويدعوا إلى النفور
من قبل باقي مكونات سوريا. المجلس الوطني الكردي مثلا يطالب الائتلاف الوطني
بالتخلي عن اسم العربية في الجمهورية العربية السورية، ويطلق على كل الشمال السوري
كردستان سوريا. والواقع إنه لا تتوفر أغلبية كردية بالجزيرة السورية، فكيف بكل
شمال سوريا؟!!”.

ويضف أبو عمر الحسكاوي: “إن الشق
الثاني هو تيار حزب الاتحاد الديمقراطي (
PYD) القريب جدا من النظام،
وقد ارتكب من الانتهاكات بحق الأكراد والعرب في الجزيرة الكثير، لكنها كانت ضد
العرب بشكل أوسع، ووصلت إلى تغيير كل ما هو عربي في الحسكة، فقط للقول إنها كردية،
كحال جبل عبد العزيز، الذي اخترع له الحزب أسم جبل (كزوان)”.

قصة الحزام العربي

يقول الناشط السياسي المعارض، نصر سفوط
المسلط: “إن اسم الحزام العربي أطلق على مناطق
مزارع الدولة التي أقرها مؤتمر حزب البعث في عام 1963، والذي قرر إنشاء مزارع للدولة
على طول الحدود السورية التركية بطول 50 كم وعرض 10 كم، وعرفت محلياً باسم خط
العشرة. بينما أطلق الأكراد عليها أسم الحزام العربي، في إشارة لمقترح قدمه
الملازم محمد طالب هلال إلى ذات المؤتمر، حيث أبدى في مقترحة تخوفا من توافد
الأكراد إلى سوريا وانتفاعهم بأرضي الدولة، لكن مؤتمر البعث رفض المقترح”.

في هذه الصدد، أوضح “المسلط”
الأرقام التي تتحدث عن مساحة الأرضي التي استولت عليها الدولة السورية بموجب قانون
الإصلاح الزراعي قائلاً: “إن عدد المالكين اللذين استولت الدولة على أراضهم
لصالح المنتفعين من الفلاحين هم 814 مالكا منهم 245 مالكا من الأكراد ما يعادل 30,9%
من المجموع العام، كما استفاد من القانون 12575 عائلة كردية من أصل 61976 عائلة
استفادت منه، ما يعني أن عدد الأسر الكردية التي استفادت من قانون الإصلاح الزراعي
30,9% من المجموع العام”.

وفيما يتعلق بقضية القرى العربية التي
تعود “للغمر”، الذين غمرت قراهم المياه بعد إنشاء سد الفرات، فيبلغ
عددهم حسب الأرقام المتداولة 22 ألف عائلة، يقدر عددها بنحو 122 آلف نسمة. نقلت
الحكومة السورية بعضهم إلى مناطق في خط العشرة بالجزيرة السورية. يقول
“المسلط” عنهم: “إن عدد قرى العرب الغمر في محافظة الحسكة هي 42
قرية فقط، أي ما يعادل 2,45% من قرى المحافظة. وبالتالي فهي لا يمكن إن تغير شيئا
ديمغرافيا على الأرض لصالح العرب، لأن نسبتها متدنية جدا”.

الدولة الكردية بين الواقع
والممكن

يتحدث الخبير في شؤون الجغرافية السياسية
ومنسق مركز التنمية البيئية والاجتماعية، عصام خوري، لـ “صدى الشام”، عن
فرصة إقامة دولة كردية قائلاً: “إنها معقدة الاحتمالات، ومن الصعب تحقيقها
بدون عواصف من الدم. قد لا تهدأ هذه العواصف أبداً، كما نرى الآن. وهذا أمر أدركه
القياديون الأكراد، كصالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، لذا دعا
لإدارة ذاتية تكون تابعه للدولة السورية، خاصة بعد فهم القياديين الأكراد لعجز
حكومة كردستان العراق عن الاستقلال”.

الخلافات الكردية-الكردية ليست وليدة
النزاع العسكري الحالي، بل أن لها عمقها الحزبي والاجتماعي. وتابع
“الخوري” موضحا كلامه: “إن الأكراد، كعموم الكتل السياسية، في
مرحلة السعي للنضج السياسي. لكنهم بكل تأكيد منظمون أكثر من العرب، ولكنهم يحتاجون
فترات زمنية من العمل السياسي الممنهج والعلني لتتبلور رؤيتهم السياسية والحزبية”.

في المقام، ينوه “الخوري” إلى
أن “الهوى الاجتماعي لدى الكرد السوريين قائم
على ترسيخ الحلم الكردي، ولكن غالبية السياسيين الأكراد يرون أن أحلام كهذه صعبة التحقيق.
إذ أنه حتى كردستان العراق المؤهلة أكثر من غيرها في المنطقة لم تحصل على ذلك.
وفي سورية، الواقع شديد التعقيد، لأن الأكراد ليسوا منعزلين عن العرب والأشوريين
والسريان.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *