الرئيسية / سياسي / سياسة / عندما تفرح حلب … لا بد أن تبكي طهران
العميد الركن أحمد رحال محلل عسكري واستراتيجي

عندما تفرح حلب … لا بد أن تبكي طهران

العميد الركن أحمد رحال /

حجم الصدمة كان أكبر من أن تٌصدق، فكان هذا التعتيم الذي فرضه إعلام النظام على معارك حلب، وكان هذا النكران الذي لا يعترف بكل ما أنجزه الثوار في جبهة حلب الجنوبية.

 

ما الذي حصل جنوب حلب؟؟؟

أمام حتمية المواجهة، وأمام حتمية الرد على الخيار العسكري الذي أعلنته موسكو وطهران والضاحية الجنوبية ونظام الأسد، كان لا بد من تحرك ومن انتفاضة تعيد ترتيب الأوراق وقلب الطاولة إن أمكن على كل من يعتقد أن تغيير موازين القوى اللحظية والمؤقتة يمكن أن تٌجبر وتٌذعن أحرار سورية.

مع إعلان موسكو وعلى لسان وزير دفاعها “شويغو” عن حصار حلب وإنسانيتها (المخادعة) بفتح ممرات آمنة (ممرات الموت)، كانت هناك وفي غرف عمليات الثوار تٌرسم الخطط وتٌعد القوات وتٌحضر الخرائط، وكانت هناك عيون ترصد التحركات والتبدلات ونقاط القوة والضعف لدى حلفاء “الأسد” وتحصي حتى عدد أنفاس كل من يسيطر على الممرات التي تفرض الحصار على حلب.

مع ظهيرة يوم الأحد جلجلت الأرض وارتعدت، وانطلقت حمم النيران لتعلن بدء حملة تحرير حلب، وليخرج أحد قادة جيش الفتح ليعلن عن معركة حلب الكبرى والتي وضعت من تحرير المدينة هدفاً استراتيجياً لها ينبثق عنه عدة أهداف عملياتية تٌعلن في حينها، على أن يكون الهدف العملياتي الأول هو هدف مزدوج يتمثل بكسر طوق الحصار عن المناطق المحاصرة في الأحياء الشرقية لحلب وتطويق ميليشيات الأسد وكل من ساندها في الأحياء الغربية لحلب.

المرحلة الأولى من العملية انطلقت بجبهة تصل لأكثر من (20) كم وبعمق يصل لـ(9) كيلومترات واستطاعت مع انطلاقتها من السيطرة على ثكنة مدرسة الحكمة وتلة مؤتة وتلة أحد وتلة المحبة وكتيبة الصواريخ، ومع تلك الإنجازات أٌعلن عن انتهاء المرحلة الأولى وبدء المرحلة الثانية التي طوقت مشروع الـ(1070) وسيطرت على تلة الشرفة وقريتها وأطراف من ضاحية الحمدانية ومعمل الزيت ومعمل الكرتون وغيرها من المواقع التي مهدت الطريق لبدء المرحلة الثالثة والأهم في طريق تحقيق هدف فك الحصار.

المرحلة الثالثة كانت الأصعب والأقسى نظراً لما تتضمنه من أهداف تكتيكية ذات أهمية عسكرية وتمثل كتلة نارية هي الأقوى في حلب وهي الأكثر استخداماً من قبل ميليشيات النظام للسيطرة على حلب.

فهناك كلية التسليح وكلية المدفعية (وهي الهدف الأقوى والأكبر والأكثر أهمية وموقع تمركز ميليشيات حزب الله) والكلية الفنية الجوية وكراجات الراموسة ومعمل الإسمنت وقرية الحويز وتلة المحروقات والعامرية، وكان للثوار ما أرادوه بعد معركة كسر عظم استطاع الثوار من خلالها كسر دفاعات ميليشيات النظام وحلفائه والتقدم والسيطرة عليها رغم المظلة الجوية الروسية_الأسدية التي فرضها الطيران على كامل الجبهة، لكن إرادة القتال كانت أقوى من صواريخ تلك الطائرات.

مع السيطرة على آخر هدف متمثل بتحرير الكلية الفنية ومعمل الإسمنت علت الزغاريد وانطلقت الأفراح لتعم كل المناطق المحررة وليعلن جيش الفتح عن كسر طوق الحصار عن أحياء حلب الشرقية.

القراءة العسكرية الأولية تقول: أن معركة حلب الكبرى كسرت كل الأعراف والتقاليد وحتى المبادئ العسكرية إن كان بسرعة تحركها ومعدلاتها الزمنية والتكتيكية أو بقدرة الثوار على التفوق على الكتل والوحدات النارية التي يمتلكها الخصم.

 

مفاجآت المعركة ..

من المؤكد أن معركة فك الحصار عن حلب لم تفاجئ النظام بتوقيتها وبدئها بل فاجأته بمكانها وحجمها، ومع هذا الهجوم برزت النقاط التالية:

– الانهيار السريع لخطوط الدفاعية والمواقع النارية رغم المقدرات والتحصينات التي تمتلكها ميلشيات الأسد وحلفائه.

– انهيار منظومة القيادة والسيطرة ومنظومة الاتصال لدى ميليشيات الأسد والتخبط والعشوائية التي سادت تحركاتهم وتنقلاتهم عبر مراحل الأعمال القتالية.

– الحظر الجوي الذي استطاع تحقيقه أطفال حلب وريفها بعد عملية حرق الإطارات والتي أدت للتقليل من الهجمات الجوية بعد أن صنعوا ستارة دخانية غطت سماء حلب وأريافها ودفعت غرفة عمليات حميميم للطلب بوقف إحراق الإطارات بعد أن قصفت بطريق الخطأ موقعين للنظام وحزب الله

لكن المطلعين على تحضيرات المعركة كانوا على علم بمدى التحضير المعنوي واللوجيستي والإداري والقتالي الذي أعدته غرفة عمليات “جيش الفتح” وبقية الفصائل المشاركة، وكذلك برزت قدرات الجهود الاستطلاعية التي وفرت كل المعطيات عن طبيعة المعركة، وبرزت أهمية الاعتماد على أبناء المنطقة العارفين بطبيعة وتكوين ومفردات مسرح الأعمال القتالية

الوصول إلى حي “الشيخ سعيد” تم، ومعه وصلت أولى قوافل الإغاثة المحلية. ومع هذا التقدم بدأت الفصائل ببدء الإعداد للمراحل اللاحقة والتي تمثلت إحداها بالإعلان عن مناطق حي صلاح الدين وضاحية الحمدانية ومشروع الـ 3000 شقة مناطق عسكرية، حيث أُعطت التعليمات للمدنيين كي يكونوا بمأمن من نيران الأعمال القتالية المندلعة في محيطهم، ومعها أٌعلنت بدء المرحلة الرابعة التي تتضمن متابعة تحرير أحياء حلب الغربية.

ما الذي تحقق وما المطلوب

من المؤكد أن الثوار وبفك الحصار عن حلب وبالغنائم التي حصلوا عليها وبتشتيت وتقطيع أوصال الأسد وحلفائه وبالخسائر والأسرى التي كسرت ظهورهم، يكونون قد أطاحوا بالخيار العسكري الذي تبنته طهران ونفذه الأسد ووافقت عليه موسكو، ومن المؤكد أن موسكو وصلت لقناعة أن جهدها الجوي وتحضيراتها وعملها العسكري الداعم للأسد وحلفائه على مدى ستة أشهر قد أطاح به الثوار في ستة أيام، والمؤكد أكثر أن موسكو وصلت لنتيجة مفادها أنها أخذت وعود ممن لا يملك ومنحت مقدراتها لمن لا يستحق.

روسيا اليوم أمام عدة خيارات:

– إما أن تنسق مع الولايات المتحدة الأمريكية لخروج آمن من سوريا يحفظ لها ماء الوجه.

– أو أن تستمر في حربها المدمرة وانغماسها في الرمال السورية وتنتظر الرئيس الأمريكي القادم وتلك (مقامرة).

– أو أن تذهب إلى خيار التقسيم وتسحب حلفائها إلى الساحل وحمص ودمشق.

لكن الواضح أن روسيا حتى الآن لا تفكر بكل تلك الخيارات، فالديكتاتور “بوتين” ما زال مقتنعاً بقتل كل الخيارات وإبقاء الأسد كخيار أوحد يقدمه العالم بعد عملية تدوير بسيطة تعيده للحكم في سورية.

والمنطق والعقلانية تقول أن الرئيس “بوتين” لو امتلك الجرأة والحصافة لقام بالإطاحة برأس الأسد عن السلطة وأعاد علاقته مع الشعب السوري، عبر التشارك مع الولايات المتحدة الأمريكية بالانتقال المباشر لعملية الانتقال السياسي وتطبيق قرارات مجلس الأمن المجمدة منذ بدايات الثورة السورية، بدلاً من الانتقام البربري الذي ينفذه طيرانه على بلدات إدلب وريفها والتي استخدام فيها حتى القنابل العنقودية والفوسفورية.

في النهاية

حلب قالت كلمتها وسمعها العالم ووقف لها الشرفاء احتراماً.

والثوار أعطوا دروساً وخبرات ستدرس في أرقى المعاهد العسكرية وأثبتوا أنهم الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه أو المراهنة على صبره وقدرته وعنفوانه.

والشعب السوري الحر أكد للقاصي والداني أن أهدافه التي خرج من أجلها لن يحيد عنها.

فهل تتعظ موسكو وتٌوقف تلك المجزرة بحق الشعب السوري وتؤسس لحلول دائمة تنهي عهد أبنائها؟؟؟

أم تبقى مدحلة الدم تعصف بأرواح السوريين وتزيد من خسائر وانغماس الروس في الرمال السورية؟؟؟

الشعب السوري الحر بانتظار أصحاب القرار … إن كان هناك قرار.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

قرار أممي ينهي العزلة عن دمشق ويفتح مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي

أنهى مجلس الأمن الدولي واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً حين صوّت بأغلبية 14 دولة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *