الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / عين على المقاومة والتموضعات الإقليمية الجديدة

عين على المقاومة والتموضعات الإقليمية الجديدة

مال ميزان
القوة الإقليمي بشكل كبير لصالح إيران خلال العقد الماضي على إثر سقوط نظام الرئيس
العراقي الراحل صدام حسين في العراق عام ٢٠٠٣
، وسيطرتها على مفاصل الدولة
العراقية، وفتح امتداداتها على لبنان وسوريا واليمن عن طريق الاستعانة بميليشيات
أنشأتها في تلك الدول من جهة، ودعم أنظمة تابعة لها هناك من جهة أخرى. وكان لغياب
الموازن العربي لتلك القوة الممتدة، الأثر الأكبر في استحكام قبضتها وتثبيت
هيمنتها في المنطقة.

وفي أثناء
الصعود الإيراني كان على النظام السوري -الذي عُدّ جزءاً من محور
“المقاومة” (الذي كان يضم سوريا، إيران، حزب الله، بعض الفصائل
الفلسطينية)- أن يتذرع بمسألة المصالح المشتركة كمحركٍ وأساسٍ دافع لعلاقته مع
طهران، في تفسيره لتلك العلاقة الجدلية أمام الحكومات العربية ضمن محور
“الاعتدال”، الذي كان يضم السعودية، المغرب، الأردن، تونس، مصر، خصوصاً
وأن هذه الحكومات قد ضاقت ذرعا منه بعد تورطه -مع حزب الله- بملف اغتيال رئيس
الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري سنة ٢٠٠٥، وفي أعقاب إطلاق بشار الأسد مقولة
“أنصاف الرجال” على رموز “محور الاعتدال”، إبان حرب تموز/
يوليو بين حزب الله وإسرائيل في عام ٢٠٠٦.

وعلى الرغم من
تحسن العلاقات السعودية – السورية بعد عام ٢٠٠٨ والتوجه السوري للانخراط تحت
المظلة التركية – القطرية، إلا أن الأسد فشل في تطوير هذا المسعى، إذ رفض مطالبات
الدول الثلاث بتطبيق إصلاحات سياسية في البلاد استجابة لمطالب الثائرين على نظامه
في عام ٢٠١١، كما امتنع عن الاستجابة لرغبة السعودية في انفصال سوريا عن إيران
وأذرعها، كعدو تقليدي يهدد أمن المنطقة وينافس المملكة في تصدر العالم الإسلامي
والتحصّل على القوة الكبرى في الإقليم.

العجيب أن
الأسد خسر أيضاً شرعية “المقاومة” بزمن قياسي بعد تنكيله بالحراك
السياسي المعارض له، وهذا ما عنى إحداث تحوّل جديد بشكل التحالفات بالمنطقة. ففي
الوقت الذي ذهبت فيه تركيا وقطر لمصادقة الشعوب والوقوف إلى جانبها بالتوازي مع
مناصرة القضية الفلسطينية؛ كانت إيران والنظام السوري وحزب الله وجماعة الحوثي
يجابهون، بالقمع، حرية الشعوب العربية بالتوازي مع ادعاء “المقاومة”.
ولا ريب أن محور “الاعتدال العربي” الذي كانت تقوده السعودية، قد شعر
ببعض الراحة والاطمئنان في هذا السياق، ليتحول بفترة وجيزة نحو نوع من
“المقاومة” جديد!، يتلخص في دعم تيارات ليبرالية في الدول المحيطة
لمجابهة المدّ الثوري المنظّم وغير المنظم.

ولكن الحسابات
الإقليمية والدولية، ومعها المحاور الناشئة حديثاً، انقلبت مع إطلالة عام ٢٠١٥،
ذلك أن الخطط الاستراتيجية وأولوليات السياسة الخارجية في المملكة العربية
السعودية قد تغيرت مع وصول الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود إلى سدة الحكم. مثل
هذا نوعاً من الصدمة للحلفاء والأصدقاء في آن، ما حذا بهم لمراجعة الحسابات وإعادة
ترتيب الأوراق على عجل، عدا إيران وتابعيها، الذين واصلوا التوغل والتغول في
الجغرافيات العربية، إلى أن اصطدموا مع أواخر شهر آذار/ مارس بحلف عربي اضطراري
تقوده السعودية بدأ بمواجهة مد الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح
في اليمن، ما جسّد، بمعنىً أو بآخر، الجناح غير المتوقع من المقاومة العربية التي
ما برحت شعوب المشرق تبحث عنها منذ عقود.

ولأن حسابات
السعودية تغيرت، فقد بدا جلياً أن ملف الإخوان المسلمين في مصر لم يعد تلك المسألة
الخلافية على أجندات عمل الملك السعودي أو الأمير القطري أو الرئيس التركي، ذلك أن
قضية أمنٍ إقليمي باتت بحاجة إلى قدرٍ من الوحدة والوعي كبير، لا ينفع معه الخوض
في الخلافات الداخلية، خصوصاً وأن أكثر ما أفاد إيران وحلفاءها هو اجتراح مثل هذا
النوع من الخلاف بين الدول الإقليمية خلال السنوات الماضية.

قبل شهور
قليلة، كان رجل حرب أشعث يدّعي بناء “خلافة”، يسرق عقول الشباب ويجذبهم
إليه بكل نجاح، ودون أي رادع، مستعجلاً التوسع حتى بلغ نيجيريا وشمال إفريقيا
وأجزاءً في آسيا الوسطى ودخل أحياءً في دمشق، بسبب غياب البديل العربي الإسلامي
المعتدل أمام الشباب المسلم، ولكن حملة عاصفة الحزم أحدثت تراجعاً ملحوظاً في
شعبية التنظيم، بل ونالت من مصداقيته وفتحت الأفق أمام الشباب لجهاد
“سني” من نوع آخر بعيد عن الأحزمة الناسفة.

أيضاً، نجد
بأن الأسد كان على وشك أن يعيد جزءاً من شرعيته التي خسرها كضامن للمؤسسات
والانضباط والسلطة والأمن والدستور والقانون والدبلوماسية في سوريا، كونه الحامي
للأقليات والمنافح عن المصالح الدولية ضد الإرهاب، وفق ما يسوّق له. غير أن تلكم
الطريق انقطعت بحزمٍ أمامه، وأصبح خارج كل الحسابات، على إثر التدخل العربي الأخير
الذي وجه رسالة واضحة إلى الرئيس الأمريكي عن وجود قوى إقليمية قادرة على إنتاج
البديل السوري المحلي المعتدل بعد إسقاط الأسد وطرد ميليشيات إيران.

ولا جرم أن
المسؤولية الملقاة على عاتق المملكة العربية السعودية كبيرةٌ وتتطلب منها أن تتم
المصالحة مع الشعوب العربية والمسلمة المتطلعلة لدور ريادي لها في المنطقة أولاً،
وأن تثبّت أركان حلف الحزم الجديد في المنطقة ثانياً، وذلك برصّها المعقول للصف
المصري وبتعزيزها الثقة التركية والباكستانية بصوابية وعقلانية ونجاعة الخيارات
الخليجية الحالية والمستقبلية في المنطقة، وتقديمها أنموذجاً مؤسسياً حقيقياً
للإدارة والقيادة، بمعنى أهمية الثبات النسبي في السياسات الخارجية والخيارات
الاستراتيجية ثالثاً.

ولا ينبغي
التوقف عند اليمن، بل يجب أن يتوفّر الحزم في سوريا أيضاً مهما تعقّدت الحسابات،
لأن دمشق هي الخط الأول لمواجه المشروع الإيراني. كما ينبغي أن يبقى الحلف العربي
أمام العالم قوياً صلباً أثناء مواجهته لإيران وأتباعها جميعاً، وعلى رأسهم نظام
بشار الأسد و”تنظيم الدولة”. فمما لا شك فيه اليوم أن المشرق العربي هو
بأمس الحاجة إلى موازن فاعل لإيران في المنطقة، وهذا قد يتوفر على حلف يجمع
السعودية ببقية دول الخليج العربية في إطار اتحاد كونفيدرالي على نموذج الاتحاد
الأوروبي، وقد يتحول الموازن إلى الفاعل الإيجابي إذا ما انسحب إلى تحالف حديدي
كفاية مع لاعب كبير من الطراز التركي.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *