ثائر الزعزوع
شكلت الانتصارات التي تحققت خلال الأيام الماضية،
بالإضافة إلى الانهيار الدراماتيكي لقوات النظام وحلفائه على أكثر من جبهة، صدمة
كبيرة للموالين له. ويمكن من خلال تتبع صفحات مؤيديه على مواقع التواصل الاجتماعي
رصد الحالة التي يعيشونها، والتي جعلتهم غاضبين، ويكيلون الاتهامات لبعض الأشخاص
ويحملونهم المسؤولية عما يحدث. وقد أسهمت أكياس الجثث الكثيرة التي وصلت إلى بعض
القرى المؤيدة للنظام في ازدياد حالة الغضب؛ فهم يفقدون أولادهم تباعاً وهم معرضون
أكثر من أي وقت مضى لانتقام المنتصرين، خاصة وأن ثمة بوادر تشير إلى أن الثوار
عازمون على التقدم أكثر باتجاه تلك المناطق. ولن أدخل في تفاصيل الترتيبات
السياسية التي تتدخل فيها دول كثيرة من أجل إيقاف زحف الثوار وتقدمهم، كما حصل
مرات من قبل، لكن ما يهم الآن هو أن نرصد ذلك التفكك الكبير الذي بدأ يضرب جبهة
النظام، التي كانت تبدو متراصة ومتماسكة حتى وقت قريب، بسبب عوامل عديدة، أهمها
الخوف بطبيعة الحال. ويمكن من خلال متابعة وسائل إعلام النظام الوقوف بشكل كبير
على ملامح ذلك الانهيار الكبير. إذ يعمد الإعلام خلال الفترة الأخيرة، وفي العديد
من برامجه، إلى استضافة من يسميهم بالخبراء في الحرب النفسية وعلماء النفس، الذين
يقدمون الكثير من الأدلة، التي يختلقونها في بعض الأحيان، لتأكيد أن وسائل الإعلام
المغرضة تعمل على صناعة الكذب وترويج الإشاعات من أجل إضعاف الجبهة الداخلية. والمقصود
بالجبهة الداخلية هم بقايا مؤيدي الأسد بطبيعة الحال، أما ما تبقى من سوريا فهم
عبارة عن بيئة حاضنة للعصابات الإرهابية والتكفيريين، حسب كلام رئيس العصابة نفسه.
يضاف إلى تلك البرامج زيادة جرعة الأغاني الحماسية التي تتغنى ببطولات الجيش وتشيد
بصموده وتضحياته وتطالبه بمزيد من القتل والدمار، لأن مشاهدة الجنود وهم يفرون في
إدلب ومن ثم في منطقة القلمون لها آثار نفسية سيئة على المناصرين الذين بدأوا فعلاً
بالفرار عبر الحدود إلى لبنان. وقد نقلت بعض المواقع الإخبارية أخباراً تفيد عن
تزاحم المؤيدين على معبر العريضة الحدودي مع لبنان. وكل هذا قد حدث بعد انتشار
أنباء عن الاستعداد لمعركة الساحل الكبرى التي ستكون معركة حاسمة ونهائية، والتي
ترافقت بعرض عسكري كبير لقوات جيش الإسلام قرب العاصمة دمشق، ولمعطيات سياسية
كثيرة في أكثر من عاصمة تتقدمها الرياض، التي تستعد لاستضافة مؤتمر يناقش أحوال
سوريا ما بعد الأسد. وهي المرة الأولى ربما التي يتم الحديث فيها بهذا الوضوح على
أن سوريا باتت بلا آل الأسد، وينبغي التفكير فيها. فهل سقط النظام حقاً؟ إن ظهور
بشار التلفزيوني الأخير في مدارس أبناء الشهداء وسط دمشق يقول إنه ما زال موجوداً
على كرسي الحكم. وقد حاول هو أيضاً دفع طوفان الأخبار المتلاحقة في الفترة
الأخيرة، فكان حديثه لا يختلف كثيراً عن حديث أحد محلليه، حديث لا يمكن البناء
عليه لتأكيد ما إن كان ممسكاً بزمام الأمور أم أن كل شيء قد أفلت من بين يديه؟ طبعاً
بالنسبة لمؤيديه لا لمعارضيه. وإن كان إعلامه، وكالعادة، قد احتفل بظهوره
الاستثنائي في مدرسة مغلقة الأبواب، وقام بوصف الحدث وكأنه يقف وسط مدينة حلب، إلا
أن كل هذه البروباجندا تفقد مفعولها مع خبر واحد وصغير يأتي من القلمون التي لا
تبعد كثيراً عن وسط دمشق. فكل شيء يتهاوى، والجنود فقدوا قدرتهم على الاستمرار في
هذه المحرقة التي تم إلقاؤهم إليها، ولم يعودوا قادرين على المتابعة. الخزان
البشري بدأ ينضب شيئاً فشيئاً ولم يعد بإمكانه رفد الميلشيات بمزيد من الراغبين
بالموت فداء لحذاء السيد الرئيس، بينما ما زالت كتائب الثورة تزداد قوة وعدداً. بل
إن أخبار الانتصارات الأخيرة قد تركت أثرها في نفوس بعض الشباب فغادروا المخيمات
التي كانوا يلجؤون إليها واندفعوا ليحملوا السلاح ليكونوا مساهمين في صناعة
التاريخ، بعد أن تسلل اليأس إلى قلوب البعض منهم بسبب طول أمد الثورة، والانقسامات
التي حدثت خلال فترات سابقة.
إعلام النظام يعزف على أوتار عديدة، يستعيد ما
يسميها انتصارات حرب تشرين كل يوم، يبحث في كتب التاريخ عن أي فقرة قد تفيدهم،
ينقب في الشعر عن أبيات تحث على القتال. لم يعد يتحدث بإسهاب عن الوحدة الوطنية،
فالمهم الآن هو ألا يسقطوا. إحدى الأغاني تحث المقاتلين أن يموتوا كي تزهر الحياة
من دمائهم.
لم يبق أمامهم الكثير من الوقت، فليقولوا ما
يريدون قوله. المحللون عاجزون عن الحديث، لكنهم قادرون على الكذب. هم يقسمون أن
الجيش قادر على استعادة زمام المبادرة، لكنهم يعرفون أن هذا الكلام ليس صحيحاً.
حلق أحمد شلاش شاربيه عشر مرات، ولم يفعل الجيش شيئاً. أي جيش؟
نعم، كان علينا أن نخوض حربنا الإعلامية مبكراً،
لكننا تأخرنا كثيراً. على كل حال، يبدو أن الأمر وصل إلى منتهاه… ضبوا الشناتي،
موعدنا في الشام.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث