أحمد العربي
اقتصر طرح موضوع التهرب
الضريبي في سوريا على بعض الأكاديمين، وذلك في معرض تصريحاتهم عن سبل تطوير
الاقتصاد السوري وزيادة موارد الخزينة، أو مقالة جريئة من أحد الصحفيين، إذ يشكل
هذا الموضوع إحدى التابويات السورية والتي يحرم طرحها ونقاشها. وإن طرحت فسرعان ما
يغلق باب النقاش بها بذرائع واهية تقدمها وزارة المالية، وذلك لارتباط هذا الملف
بكل عمليات الفساد في سوريا، وبكبار الفاسدين من أزلام النظام الذين يمتلكون
النشاط التجاري للبلاد.
لا يحتاج تقدير الهدر
الناجم عن التهرب الضريبي لجهد كبير، إذ يعلم كل مواطن سوري أن التهرب يبدأ من
أصغر بقالية حتى أكبر كيان اقتصادي في سوريا. ولكن لأول مرة تخرج الجهات الرسمية
السورية عن صمتها ليصرح مصدر في اتحاد نقابات العمال لجريدة تشرين السورية أن حجم
التهرب الضريب تجاوز مبلغ 400 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل 30% من ميزانية
الدولة، وهو يعتبر تقديراً جزافياً يقلل من حجم الهدر كونه يصدر عن جهة رسمية.
لا يوجد أية دراسة علمية ميدانية منشورة عن
التهرب الضريبي. ونسجل هنا أن وزارة المالية قصّرت في واجبها، بل من المؤسف أن
نقرأ رأيها المنشور في جريدة تشرين (أن مسألة تقدير حجم التهرّب الضريبي بالأرقام
مهمة صعبة… إذا لم تكن مستحيلة … إذ ما من جهاز متخصص أو باحث يستطيع تقدير
حجم هذا التهرّب بالأرقام… إذ من المستحيل من الناحية العملية، لا في بلدنا فحسب
بل في أي بلد من بلدان العالم حساب حجم التهرّب الضريبي بالأرقام). وتذكر جريدة تشرين أيضاً
(أما المعنيون في وزارة المالية فيرفضون فتح ملف التهرّب الضريبي والحديث عنه بسبب
حساسية الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي).
هكذا ترفع وزارة المالية يديها مستسلمة أمام
ظاهرة التهرّب الضريبي، موصدة الباب أمام الجميع، ناصحة إياهم بتوفير جهودهم أمام
مهمة مستحيلة. بينما على العكس من ذلك، وليس في البلاد المتقدمة وحسب ولكن أيضاً
وفي البلاد النامية، بل في البلدان المجاورة مثل لبنان وتركيا والأردن ومصر يوجد
دراسات وتقديرات رقمية لحجوم التهرّب ومبالغه.
مثلاً، تذكر الدراسات في لبنان أن نحو
70% من إجمالي عدد المكلفين مكتومون لا يدفعوا الضريبية، كما يمكن أن نقرأ في أكثر
من مكان أن التهرّب الضريبي في الاقتصاد الأمريكي يبلغ نحو 10% من الناتج القومي،
بينما يبلغ 16% في الاتحاد الأوروبي، وهذه تقديرات قائمة على دراسات ومسوح ميدانية
ومقدرة بأرقام. وقبل أيام طبعت من الإنترنت مسحاً لدول العالم حول دفع الرشاوي وقد
وضعت درجات للدول بحسب انتشار دفع الرشاوى فيها، ونالت الدول المحيطة بنا علامات
متدنية من أصل 10 كدليل على الانتشار (إسرائيل 6.8، الأردن 4.4 تركيا 3.6، مصر 3.3)
وكانت الدانمارك في مقدمة الدول التي تدفع أقل الرشاوي 10/10 بينما الكاميرون في
نهايتها 1.5/10، أما سوريا فلم تُذْكَر.
حسب مبادئ فرض الضريبة فإن كل دخل يتحقق من
أي نشاط كان ومهما كان حجمه يجب أن يخضع للضريبة، وكل دخل أو جزء لا يخضع للضريبة
يعتبر تهرّبا.
ويتخذ التهرب الضريبي عدة أشكال يمكن أن
نؤطرها في البنود الرئيسية التالية:
أ-كتمان
النشاط كلياً بحيث لا يصل عنه أي معلومات موثقة للدوائر المالية، وبالتالي لا يدفع
أية ضرائب على الإطلاق، وهذا أكثر أشكال التهرب أماناً. ويشمل جميع وكلاء الشركات
الأجنبية الذين لا يوثقون وكالاتهم أصولاً، وهذا واحد من أكبر بنود التهرّب، فإذا
كان حجم المستوردات اليوم نحو 185 مليار ليرة سورية، كما سنعيد تقديرها لاحقاً،
وكان وسطي نسبة العمولة 4% فإن حجم التهرب من هذا البند لوحده يزيد عن أربعة
مليارات ليرة سورية حسب التشريعات الضريبية الحالية.
عدد كبير من مصانع صغيرة وورش صناعية وورش
مقاولات ومكاتب تجارة وخدمات مختلفة تعمل بدون أي ترخيص، وهي تبلغ عشرات الآلاف،
ويقدر البعض أن حجم الصناعة غير المرخصة في القطاع الخاص يعادل حجم المرخصة منها.
المدرسون الذين يقومون بإعطاء دروس خصوصية
في البيوت وأعدادهم بعشرات الآلاف.
كل من يمارس نشاطاً يحقق له دخلاً دون أن
يُعلِمْ عنه الدوائر المالية ولا يدفع أية ضرائب.
وإذا
كانت نسبة المكتومين في لبنان تبلغ نحو 70% من إجمالي عدد المكلفين، فإن النسبة في
سوريا تزيد عن ذلك.
ب-إخفاء
كل ما هو ممكن من رقم الأعمال في جميع بيانات مكلفي ضرائب الأرباح الحقيقية. وهذا
يحدث خاصة في النشاطات الداخلية التي لا تدخل فيها الدولة كطرف، ولا تمر هذه
النشاطات على أي دائرة حكومية لأي سبب كان.
ت-زيادة
النفقات والتكاليف على نحو وهمي، حيث يتم زيادة تكاليف المواد والمستلزمات السلعية
أو النفقات الإدارية، وذلك بقصد تقليص الأرباح الظاهرة وبقصد التعويض عن تكاليف
قوة العمل (الأجور)، حيث يتم التصريح عن عدد أقل من قوة العمل وسداد ضرائب أجورهم
أقل. ويلجأ لهذه الطريقة بخاصة المكلفون بضرائب عقود تنفيذ أعمال للحكومة حيث تتوفر
قيمها الحقيقية لدى الدوائر المالية.
ث-تخفيض
سعر مبيع السلع والخدمات ما أمكن ذلك (تخفيض الإيرادات)، وسهولة تزوير الفواتير
تسهل هذه العملية إلى حد كبير. ويلجأ لهذه الطريقة مستوردو السلع، حيث الكمية
المستوردة موثقة لدى المالية في بياناتهم. وهنا يوجد إشكالية، فالمستورد يقوم عادة
بتخفيض أسعار السلع في فواتير الاستيراد من أجل التهرّب الجمركي، بما يزيد عن
20-30 % من الأسعار الحقيقية، مما يضطره لأن يضع سعر مبيع لا يزيد كثيراً عن السعر
المثبت في فواتير الاستيراد بينما سعر المبيع الحقيقي يزيد بنحو 10-30 %، أي أن
سعر المبيع الحقيقي يزيد بنحو 30-60 % من سعر فواتير الاستيراد، مما يمكن ملاحظته
بسهولة من قبل مراقب الدخل، بل والتأكد منه.
فوات
إيرادات التهرب على موازنة الدولة أضعف إمكانية زيادة الرواتب والأجور مما ساهم في
استمرار الركود الاقتصادي لسنوات عديدة. كما أدى فوات إيرادات التهرّب إلى إضعاف
قدرة الدولة على الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات العامة، مما ترك آثاره
السلبية على التنمية البشرية. وقد رأينا تقرير التنمية البشرية يسجل تراجعاً في
التنمية البشرية في سوريا. فبعد أن احتلت الموقع 73 من بين 173 دولة عام 1992
تراجعت إلى الموقع 111 من بين 174 دولة عام 1997. (راجع تقريري التنمية البشرية
لعامي 1994 و1999. أيضاً قلص قدرة الدولة على تعزيز الإنفاق الاستثماري الحكومي،
وعلى تأمين السيولة اللازمة لنشاط القطاع العام. وقد لحظنا تأثير ذلك في تدهور
أوضاع القطاع العام.
كذلك
فإن التهرب ينشر الفساد في المجتمع، وثرواته الفاسدة التي تهرّب دائماً إلى
الخارج. ويخل
بالعدالة الضريبية والمجتمعية، حيث يصبح البعض يدفع والبعض الآخر لا يدفع، مما
يضعف العقد الاجتماعي.
وللعلم
فقط، أن كتلة الرواتب التي تدفعها الحكومة السورية تبلغ قبل اندلاع الثورة 600
مليار ليرة سورية، أي أن مبالغ التهرب الضريبي الحقيقي كانت كافية لزيادة رواتب
العاملين في الدولة بنسبة 100%.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث