ثائر الزعزوع
ليس أمراً سهلاً أن يخسر شعب هذه الخسائر كلها
ويبقى متماسكاً. ومن قال إننا متماسكون أصلاً؟ نحن ننهار في اليوم الواحد عشرات
المرات، لكننا نقف من جديد. نضعف ونحن نرى هذا الخراب من حولنا ثم نتقدم إلى
الأمام. نبكي ونحزن، وقد نيأس، لكن شيئاً ما يحرضنا على الاستمرار، على البقاء
متمسكين بهذه الثورة التي لم يعرف لها التاريخ الحديث مثيلاً، وقد تمر عقود قبل أن
تولد ثورة مثلها.
في واحدة من لحظات اليأس التي تنتاب المرء
حاصرني الإحباط، لكن طفلاً صغيراً كان يتحدث أمام كاميرا هاتف جوال في مخيم في
لبنان انتشلني من تلك الحالة انتشالاً وأعادني للتفاؤل، بل والفرح بهذه الثورة
الكاشفة. كان الطفل يقبض على عصا صغيرة بيده، ويقول وهو يلوح بها: بهذه العصا
سأحطم رأس بشار الأسد. كان يبتسم غير خائف من أحد، وكان جريئاً، قوياً كما لم نكن
في طفولتنا، فقد تربينا على الخوف. نحن شعب رضع الخوف منذ أن كان في أيامه الأولى.
والآن تعالوا نتذكر شيئاً فشيئاً سيرة الخوف التي عشناها قبل الثورة. كنا نخاف أن
ننظر نظرة غير ودية لصورة سيادته، وكانوا أهلنا يخافون من زلات لساننا، وكان
المعلمون في المدرسة يخافون من بعض الطلاب حتى وإن كانوا أطفالاً، وكنا نخاف من
زملائنا في الجامعة، وفي العمل، كنا نخاف أن يكتب أحدهم تقريراً فنختفي، كنا نخاف
ونحن نتقدم لخطبة فتاة، نخاف ونحن نجهز بيوتنا، نخاف حين يولد طفلنا الأول، ونخاف
حين يموت أحد أقاربنا، نخاف حين يمر شرطي من أمامنا، ونخاف من التلفزيون الحكومي،
وحين يحذرنا من كسوف الشمس فإننا نختبئ في بيوتنا خائفين نقاطع الشمس والعلم
والعلماء. نخاف لأننا لم نتعلم في حياتنا غير الخوف، نخاف إن لم نشجع المنتخب
الوطني، ونخاف ألا نخاف.
أما الآن فكل شيء قد تغير. هناك ملايين الأطفال
السوريين اليوم لا يخافون، ليسوا مستعدين أن يخافوا، هم ينامون في العراء لكنهم لا
يخافون، يمزقون صور زعيم العصابة، ويشتمونه، يحطمون صنمه في دواخلهم، يثورون عليه
في اليوم الواحد ألف مرة. لم يعد رجل الأمن يخيفهم، بل بات يثير قرفهم. لم تعد تلك
الشعارات الجوفاء تعنيهم في شيء، بل إنها تثير سخريتهم. هم يريدون أن يلعبوا،
ويغنوا. تقول طفلة حمصية في أحد المخيمات: حين سأرجع إلى سوريا سأرسم على الجدران
صوراً للعصافير والزهور، ويقول فتى آخر كان يركل الكرة بقدمه: أريد أن أصبح حين
سأكبر طياراً لكني لن أقصف المدنيين، بل سأحمل لهم المساعدات في أي مكان في
العالم.
هكذا بات يفكر أطفالنا، فهل تذكرون كيف كنا نفكر
حين كنا في مثل أعمارهم؟
كانت تلك العبارة التي خطها صبية على أحد جدران
مدينة درعا بداية لتحطم جبل الخوف الكبير الذي كان جاثماً على صدورنا. منذ ذلك
اليوم ولد جيل جديد يجعلنا نتفاءل بالمستقبل. يستطيع ذلك الطفل اليوم أن يلعن
النظام والمعارضة، ويستطيع أن يسخر من النظام والمعارضة، وهو حتى وإن اتفق
السياسيون ليس مستعداً بأن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، لأن حريته وتحرره من
الخوف باتت كنزه الثمين الذي لن يفرط فيه مهما كان الثمن.
دفعنا ثمناً باهظاً، هذا مؤكد، وما زلنا ندفع كل
يوم ثمن مطالبتنا بالحرية، وما زالت طريقنا الوعرة محفوفة كل يوم بالمزيد من
الخسائر. ولكن، ألم نحفظ عن ظهر قلب بيت أحمد شوقي “وللحرية الحمراء باب بكل
يد مضرجة يدق”؟ ألم نحفظ عن ظهر قلب حكايات النضال الطويلة؟ أليس لنا في نضال
الفلسطينيين المستمر منذ سبعة وستين عاماً خير دليل على أن درب الحرية لا يشبه
أبداً الطرق الأخرى؟
ستزول عصابة الأسد، وستزول داعش لأن طفلاً
سورياً واحداً لا يخاف الاثنين معاً، ولا يحبهما. لأن طفلاً سورياً واحداً يقدر أن
يقول لهما “لا” بصوت قوي واثق. تلك حكاية سورية طويلة نكتبها بدمائنا.
والثورة مستمرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث