كمال سروجي
“كان الخيار صعباً بين أن أتزوج وأسافر إلى دولة أجنبية وأعيش حياة
مريحة، أو أن أذهب إلى المناطق المحررة وأعمل في مشفىً ميداني، حيث لا تتوفّر أبسط
الأجهزة الطبية، وأعيش حياة تنعدم فيها الرفاهية ويلفها الخطر“، يروي أنس عكار (اسم
مستعار)، وهو طبيب متخصص بالجراحة، أنهى اختصاصه قبيل اندلاع الثورة السورية
وتدهور الأوضاع الصحية والأمنية في البلاد.
ويتابع: “أخذت قراراً بالسفر، كان كل شيء جاهزاً لأغادر البلاد إلى
غير رجعة، وفجأة علمنا أن أخي الوحيد المعتقل، توفي في السجن في ظروف غامضة. لم أستطع
أن أتابع طريقي، ورغم ضغوط والدتي، تركت كل شيء وبقيت هنا. أردت أن أقاتل لكني لا
أقدر على حمل السلاح، كل ما تعلمته في حياتي هو الطب، فقررت أن أبقى وأنقذ حياة
البعض من حقد الأسد”.
ويكشف أنس أنه خلال سنوات عمله الثلاث، تعرض للخطف مرتين من قبل جهتين
مجهولتين، إحداها كان طلباً للمال، والأخرى بسبب اتهامه بإنقاذ حياة شخص لم يكن
مرغوباً به من الجماعة الخاطفة. عدا عن استهداف المشفى الذي كان يعمل فيه السنة
الماضية ببرميل متفجر، حيث تدخّل القدر لحمايته آنذاك، إضافة للقذائف والصواريخ
التي تنهال على المشفى الذي يعمل فيه اليوم.
اليوم وبعد ثلاث سنوات، يصف الطبيب تجربته “بالقاسية”، ويقول:
“يعتاد الطبيب الجراح خصوصاً على رؤية الموت كقدر، وعلى الدم كالماء، لكن
البؤس والعجز هو ما كان يكسرني. الأسى الذي رأيته حتى اليوم بلغ حد الإشباع. الناس
هنا بحاجة إلى كل أنماط الرعاية الطبية من أبسطها حتى أكثرها صعوبة، أنا وجميع
والموجودين هنا لا نقدر على الانسحاب وحياتنا باتت رهن الحرب”. ويشير إلى أنّ
“معظم العاملين معنا من المتطوعين الذين لم يدرسوا الطب أو التمريض، وهم
اليوم يملكون خبرة تفوق خبرة بعض الأطباء. ولو كان الأمر بيدي لمنحتهم جميعاً
شهادات. يعملون ليل نهار، وكأنهم محتجزين. كلما فقدنا أحداً بسبب الغارات، نضاعف
جهودنا وساعات عملنا لنستطيع الاستمرار”.
ويجزم أنس أنه سيترك الطب حال تتوقف الحرب في البلاد ويعلّق: “سيكون
هناك من يداوي الناس بدلاً عني في ذلك الحين”.
يلوم الكثيرون الأطباء السوريين الذين غادرو البلاد قبيل اندلاع الأزمة
في سوريا، ويتهمونهم بالتخلي عن واجبهم تجاه أهالي بلدهم، فيما يبرر آخرون بأن الأطباء
كانوا أيضاً أكثر المستهدفين لدى الفصائل المسلحة المختلفة الفاعلة على الأرض، وأن
البقاء، بالنسبة للكثير منهم، لم يكن أكثر من انتحار.
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت، حتى نهاية شهر آذار مارس
الماضي، مقتل ما لا يقل عن 450 من الكوادر الطبية العاملة في سوريا، بين أطباء
وصيادلة وممرضين. واعتبرت الشبكة أن استهداف الطواقم الطبية من قبل جميع الأطراف
يعتبر خرقاً للقانون الدولي وينعكس سلباً على مستوى الرعاية الطبية في كافة
المناطق.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث