رانيا مصطفى
السعودية تتدخل مباشرة في اليمن،
مع تحالفها العريض، وبمباركة دولية. تدخّلها ليس لسبب إنساني لحماية الشعب اليمني
من بطش الإنقلابيين الحوثيين، وليس تنفيذاً لإرادة اليمنيين في التخلص من فلول
النظام القمعي، ولا دفاعاً عن شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، الهارب من قصره.
كل القصة أنّ حدودها الكبيرة مع اليمن، باتت مهددة من الحوثيين، أي من النفوذ
الإيراني في اليمن. فالحوثيون سيطروا على صنعاء، ثم الحديدة وصولاً إلى عدن.
وبالتالي باتوا على وشك السيطرة على باب المندب. وكانوا قد فتحوا جسراً جوياً
مباشراً مع طهران.
السعودية كانت حريصة على عدم توريط
نفسها بمغامرات عسكرية بقيادتها، فهي تدخلت في البحرين لوقف التظاهرات مدعومة من كل
أمم الأرض وأجهزتها الإعلامية. وتدخلت في ليبيا، لكن في الخطوط الخلفية لحلف
الناتو، ثم شاركت قوات التحالف الدولي في حربها على داعش في العراق وسورية ببعض
المقاتلات الحربية. اليوم ينفذ صبرها تجاه الغرور الإيراني المستفزّ؛ فقد صدقت
طهران نفسها بأن لها القدرة على السيطرة على المنطقة برمتها، وتمادت في استفزاز
السعوديين خصوصاً؛ فقد قام الحوثيون بإجراء مناورة عسكرية، قرب الحدود مع السعودية،
كما وصل الأسطول الإيراني إلى مضيق باب المندب معلناً بوضوح أن له أهدافاً
استراتيجية بعيدة المدى، وفق ما أعلنه الإيرانيون أنفسهم. إيران هذه اعتبرت
التباطؤ الخليجي، وسعيهم لعقد الحوار بين الأطراف اليمنية بناء على طلب الرئيس
هادي، اعتبرت ذلك ضعفاً من الجانب السعودي والخليجي. هنا استنفذت السعودية صبرها،
وبات ملحّاً وضع حد للمهزلة الحوثية/ الإيرانية، وقررت الدخول مباشرة إلى ساحة
المعركة، بمئة مقاتلة حربية، ومئة وخمسين ألف جندي، إضافة إلى ما سيقدمه بقية
المشاركين في تحالف الحزم. وبذلك ستوجه صفعة إلى الخد الإيراني في اليمن، بعد
تطاول الغرور الإيراني على حدودها، وكسره للعبة التوازنات الإقليمية في منطقة
الشرق الأوسط.
لكن السعودية لا تسعى إلى إلغاء
التواجد الحوثيي في اليمن، كما لا تهدف إلى محاربة إيران، وملاحقتها في كل مناطق
نفوذها. هذا ما يهلل له البعض؛ حيث ظنوا أن السعودية وحلفاءها سيكملون المشوار إلى
العراق وسورية ولبنان، بل هناك من يبالغ في تقييم الوضع بالقول إن تحالف عاصفة
الحزم يشكل قيادة عربية وإقليمية تعبر عن مطامح الشعوب التي تعاني، في سورية
خصوصاً، من ظلم الديكتاتوريات وقمعها، ومن المشاركة الإيرانية في الحرب على الشعب.
من هنا تطالب المعارضة السورية، ممثلة بالائتلاف الوطني، السعودية وحلفها للتدخل
في سورية ووقف المد الشيعي. إيران اليوم هي من يقود حربَ إبادة طائفية شيعية ضد
الشعب السوري، لكن ذلك لا يعني أن السعودية، متزعمة الدول “السنية”
معنية بإنهاء مأساة الشعب السوري، ومعنية بالديمقراطية وبالحريات. ومن الغباء
السياسي الشديد، الذي وسمت به المعارضة السورية، التعويل على دور سعودي حقيقي
لإنقاذ الشعب السوري من مأساته. لكن من الحنكة أيضاً الاستفادة مما يجري من قبل التوازنات
الإقليمية، ومن التراجع الإيراني الذي سيحصل في المنطقة، بدون استجداء واستعطاف
دولٍ هي أبعد ما يكون عن الديمقراطية وعن الحريات العامة وعن تحقيق إرادة الشعوب.
السعودية تريد إعادة التوازن إلى
المنطقة ليس إلا، وقبل كل شيء، حماية حدودها من الخطر الإيراني المباشر. وبعدها
ستعود إلى مركزها القيادي لمجلس التعاون الخليجي، بعد أن حققت هدفها، ودون أن
تتورط بخسائر تؤثر على مكانتها وموقعها الاستراتيجي، بل وقدراتها العسكرية
والاقتصادية. فدول الخليج مضطرة لشن هذه الحملة العسكرية على الحوثيين في اليمن،
فأمن اليمن من أمن منطقة الخليج بالفعل، وفق ما أعلنه مجلس التعاون الخليجي من
قبل. لذلك لم تنتظر الدول المشاركة عقد القمة العربية في شرم الشيخ، بل اكتفت
بقرار مباشر، وشاركها في ذلك دولٌ من خارج مجلس التعاون الخليجي، كمصر والأردن
والمغرب والسودان وباكستان.
إيران تأكل صفعةَ “عاصفة الحزم”
على غفلة؛ فقد صدّقت أنها باتت قوة إقليمية عظمى، وأنها قادرة على السيطرة الكلية
على المنطقة. هذا الغرور جعلها تورّط نفسها إلى حد الغرق في مستنقعات الحروب
الحاصلة في العراق وسورية ومن قبل في لبنان، ومؤخراً في اليمن.
في هذا الوقت تتابع الولايات
المتحدة الأمريكية لعبتها السياسية في الاستفادة من كل ما يجري، بأقل قدر من
التورط المباشر في الصراعات المعقدة في المنطقة. ففي نفس الوقت الذي بلغ فيه
التقارب الإيراني الأمريكي ذروته، وصولاً إلى إتمام صفقة الاتفاق النووي الإيراني
في وقت قريب، تؤيد الولايات المتحدة خطوة عاصفة الحزم ضد الحوثيين، ومن خلفهم
إيران. هي لن تشارك في العمل العسكري، لكنها تعلن عن استعدادها لتقديم الدعم
اللوجستي للتحالف. يبدو أنها ستستفيد من الهجوم الخليجي على الحوثيين كورقة في
يدها في المفاوضات ضد إيران. وفي النهاية، الولايات المتحدة معنية أيضاً بعودة
التوازن الإقليمي إلى المنطقة. التوازن الذي يعني إبقاء المنطقة في صراعات طائفية،
سنية- شيعية تدعمها بالتوازي الدولتان المتنافستان على النفوذ، إيران والسعودية.
هذا التوازن الطائفي ليس للحد من
الحروب الطائفية في المنطقة، بل لإشعالها من أجل وأد الثورات، وتحويلها إلى حروب
مذهبية، ولتصبح عبرة لمن يعتبر من شعوب المنطقة، وأولها للسعوديين والإيرانيين
أنفسهم. هذا ما تعمل له السعودية وإيران على الأرض السورية، فكل منهما يدعم
مليشياته الطائفية بالتمويل والتسليح، وبالإعلام. هكذا تحولت الثورة السورية إلى
حرب مفتوحة بين جيش الإسلام وأحرار الشام والنصرة من جهة، وبين حزب الله
والمليشيات الشيعية المتعددة الجنسيات، فضلاً عن داعش والحرب المزعومة لقوات
التحالف ضدها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث